الكوفة والشام .
خطبتها في الكوفة :
قال حذيم الأسدي : لم أر واللّه خفرة قط أنطق منها ، كأنّها تنطق وتفرغ عن لسان علي عليه السّلام ، وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا ، فارتدّت الأنفاس ، وسكنت الأجراس ، ثم قالت بعد حمد اللّه تعالى ، والصلاة على رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم :
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل والغدر والخذل ، أتبكون ! ! فلا رقأت العبرة ، ولا هدأت الزفرة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، هل فيكم إلّا الصلف والعجب والشنف والكذب وملق الإماء وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة ، أو كقصة على ملحودة ، ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم ، أن سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون .
أتبكون أخي ؟ ! أجل واللّه فابكوا فإنكم أحرى بالبكاء ، فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا ، فقد ذهبتم بعارها ، ومنيتم بشنارها ، ولن ترحضوها أبدا ، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل الجنة ، وملاذ حربكم ، ومعاذ حزبكم ، ومقر سلمكم ، وأسى كلمكم ، ومفزع نازلتكم ، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ، ومدرة حججكم ، ومنار محجتكم .
ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم ، وساء ما تزرون ليوم بعثكم ، فتعسا تعسا ، ونكسا نكسا ، لقد خاب السعي ، وتبّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من اللّه ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة .
أتدرون ويلكم أيّ كبد لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم فريتم ؟ ! وأيّ عهد نكثتم ؟ ! وأيّ كريمة له أبرزتم ؟ ! وأيّ حرمة له هتكتم ؟ ! وأيّ دم له سفكتم ؟ ! لقد جئتم شيئا إدّا ، تكاد السماوات يتفطّرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدّا . لقد