عظم فيها ديني ، وما قرّت فيها عيني ، وما أنا فيها إليك بعائدة ، ولا حيث كنت بحامدة .
فأشار إليها ببنانه أخرجي ، فخرجت وهي تقول :
وا عجبي لمعاوية يكف عنّي لسانه ، ويشير إلى الخروج ببنانه ، أما واللّه ليعارضنه عمرو بكلام مؤيّد سديد أوجع من نوافذ الحديد أو ما أنا بابنة الشريد .
فخرجت وتلقّاها الأسود الهلالي ، وكان رجلا أسود أصلع أسلع « 1 » أصعل « 2 » ، فسمعها وهي تقول ما تقول ، فقال : لمن تعني هذه ؟ ألأمير المؤمنين تعني ، عليها لعنة اللّه ! ! ! .
فالتفتت إليه ، فلما رأته قالت :
خزيا لك وجدعا ، أتلعنني واللعنة بين جنبيك ، وما بين قرنيك إلى قدميك ،
إخسأ يا هامة الصعل ، ووجه الجعل ، فاذلل بك نصيرا ، واقلل بك ظهيرا .
فبهت الأسلع ينظر إليها ، ثم سأل عنها فأخبر ، فأقبل إليها معتذرا خوفا من لسانها .
فقالت : قد قبلت عذرك ، وإن تعد أعد ، ثم لا استقبل ولا أراقب فيك .
فبلغ ذلك معاوية ، فقال : زعمت يا أسلع أنّك لا تواقف من يغلبك ، أما علمت أنّ حرارة المتبول ليست بمخالسة نوافذ الكلام عند مواقف الخصام ، أفلا تركت كلامها قبل البصبصة منها والاعتذار إليها ؟
قال : إي واللّه يا أمير المؤمنين ، لم أكن أرى شيئا من النساء يبلغ معاضيل الكلام ما بلغت هذه المرأة ، حالستها فإذا هي تحمل قلبا شديدا ، ولسانا حديدا ، وجوابا عتيدا ، وهالتني رعبا وأوسعتني سبّا .
ثم التفت معاوية إلى عبيد بن أوس فقال : ابعث لها ما تقطع به عنها لسانها ، وتقضي به ما ذكرت من دينها ، وتخفّ به إلى بلادها ، وقال : اللهم اكفني شرّ لسانها .
هامش
( 1 ) - الأسلع : الأبرص . لسان العرب 8 : 160 « سلع » .
( 2 ) - الأصعل : دقيق الرأس والعنق . لسان العرب 11 : 378 « صعل » .