من تأثيرها شيء كأنه السحر . . . وكان في ذلك الوقت أيضا في البيمارستان الشيخ رضي الدين الرحبي وهو من أكبر الأطباء سنا . . . وأشهرهم ذكرا فكان يجلس على دكة ويكتب لمن يأتي إلى البيمارستان ويستوصف منه للمرضى أوراقا يعتمدون عليها ويأخذون بها من البيمارستان الأشربة والأدوية التي يصفها فكنت بعد ما يفرغ الحكيم مهذب الدين والحكيم عمران من معالجة المرضى المقيمين بالبيمارستان وأنا معهم أجلس مع الشيخ رضي الدين الرحبي فأعين كيفية استدلاله على الأمراض وجملة ما يصفه للمرضى وما يكتب لهم وأبحث معه في كثير من الأمراض ومداواتها ولم يجتمع في البيمارستان منذ بنى وإلى ما بعده من الزمان من مشايخ الأطباء كما اجتمع فيه في ذلك الوقت من هؤلاء المشايخ الثلاثة ، وبقوا كذلك مدة :
ثم انقضت تلك السنون وأهلها * فكأنّها وكأنهم أحلام
. . . وكانت وفاة مهذب الدين في 15 صفر سنة 628 ه . . . ووقف داره بدمشق عند الصاغة العتيقة . . . وجعلها مدرسة يدرس فيها من بعده صناعة الطب ووقف لها ضياعا .
وكان جد ابن أبي أصيبعة ، وهو أول من أطلق عليه لقب ابن أبي أصيبعة ، « قد توجه إلى الديار المصرية عندما فتحها الملك الناصر صلاح الدين . . . وكان في خدمته » وعلّم ولديه صناعة الطب والكحالة في القاهرة أولا ثم بعد رجوعهما إلى دمشق . ثم إن والد ابن أبي أصيبعة عالج سنة 609 عيني خادم الملك العادل فبريء بعد أن قطع الأطباء والكحالون الأمل من شفائه فأحسن إليه الملك وأكرمه وعينه في خدمته ثم خدم ابنه أيضا ثم الملك الناصر حتى توجه إلى الكرك . ولازم والده الخدمة في القلعة والبيمارستان بدمشق حتى وفاته سنة 649 ه . أما عمه فقد اشتغل في البيمارستان وخدم الملك العادل وأقبل على تدريس الطب في دمشق