فقراء البيت ويتعيّش بثمن الآخر « 1 » ، منصرفا تماما عن أهل السلطة والوظائف .
وقد كان في طبع الملا علي القاري بعض الشدّة في الحق والتصريح بآرائه المخالفة لغيره دون مجاملة ولا مواربة . كما أشتهر بميله لمذهبه الحنفي وتقديم آرائه ورجاله . وكان مدافعا عن المذهب ورادّا على كلّ من أنتقده أو أنقص من قدره ببعض الشدّة ، مما جعل المترجمين له - وخاصة الشوافع منهم - يذكرون بأنه ابتلي بالنّيل من أيمة المذاهب الأخرى ، وشهّروا به في ذلك .
ولكن هذا التشهير هو في الحقيقة عار عن الصدق ، نظرا إلى أن أغلب ما ذكره علي القاري عن الأيمة محمد بن إدريس الشافعي ومالك بن أنس وأحمد ابن حنبل ، كان كلام عالم مؤمن صالح مقدّر لجهود أيمة المذاهب ، وقد قرأت الكثير مما كتبه عنهم فلم أجد في كلامه عنهم ما ينال منهم أو ينقص من أقدارهم ، وإنما كان يردّ على بعض من يهاجم المذهب الحنفي ويكشف تعصّبهم لمذاهبهم ، ويبالغ أحيانا في إذايتهم وبيان جهلهم دون المسّ بمذهبهم ولا بأيمتهم . وبما أنهم لا يقدرون على ردّ حجته العلمية الدامغة فإنهم يلجئون إلى اتهامه كذبا بأنه يسبّ الإمام الشافعي وغيره ، حتى قال بعض الشوافع : نهى العلماء عن مطالعة كتبه .
ومن تلاميذه المكيين عبد القادر الطبري وعبد الرحمن المرشدي وعبد العظيم محمد بن فروخ .
توفي الملا علي القاري بمكة المكرمة سنة 1014 ه . ولما بلغ خبر وفاته علماء مصر صلّوا عليه صلاة الغائب بالجامع الأزهر في جماعة بلغت أكثر من أربعة آلاف نسمة .
هامش
( 1 ) من هذه المصاحف التي كان يكتبها الشيخ علي القاري الهروي نسخة محفوظة بالمكتبة السليمانية ، قسم رئيس الكتاب رقم 1 وهي في 303 ورقة ونسخت بمكة المكرمة في منتصف ذي القعدة سنة 999 ه . ومن خطه أيضا نسخة من كتاب شرح على الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني وهو من تأليفه ، وهذه النسخة محفوظة في المكتبة السليمانية رقم 289 بتاريخ 1013 ه .