من أوراق ومحفظة طلب منه الكوميسار أن يصحبه إلى دار الشرطة ، وفيها وقع استنطاقه وبعد ذلك زج به في السجن في الزنزانة رقم 15 ، وبعد تردد تأقلم وتعود على حياة السجن وطعامه ، وفي المدة الأولى أقبل على التنقل بالصلاة وتلاوة القرآن العظيم ، وهاله أنه تعثر في شيء من سورة الأنعام ، فطلب من أهله مصحفا حتى لا ينسى شيئا من كتاب اللّه ، ثم أقبل بنهم على المطالعة ، وطلب من أسرته أن يمدوه بكتب عينها لهم ، وخصص وقتا لدراسة الفرنسية حتى أصبح عارفا بها .
وفي غرة نوفمبر 1918 خرج من السجن ، وعاد إلى حضور الدروس بجامع الزيتونة .
وفي سنة 1920 أمد جريدتي « الصواب » و « الوزير » بمقالات متوالية ممضاة باسم « المنصور » اتقاء لشر الإدارة وعملها التنكيلي ضد السادة الثلاثة من الأعيان الذين ضمنوا فيه لدى الكتابة العامة للحكومة بعد خروجه من السجن ألا يشتغل بالسياسة . ونشر في صحيفة « المشير » ترجمة لمقال هنري دي شامنير صاحب المجلة البرلمانية بباريس ، وهي فصل لاذع ينتقد فيه انتقادا قاسيا الإدارة الاستعمارية بتونس ، وقد اقتبس قصة ذلك من كتاب « تونس الشهيدة » ويوم بروز الفصل المترجم بجريدة « المشير » تهافت الناس على « المشير » يختطفونه من الباعة ، فلم يبق بالسوق إلّا بعض أعداد فقط حجزتها الإدارة وأمرت بإغلاق جريدة المشير . وهذا الفصل المترجم يعري السياسة الفرنسية بتونس ويشنع بوسائلها وأهدافها .
وكان يكتب المقالات السياسية لمختلف الصحف باسم « المنصور » تارة وبدون إمضاء تارة أخرى فعرف بوطنيته ومقدرته القلمية في أوساط النخبة التونسية يومئذ ، فكانوا يستدعونه لأخذ رأيه وتكليفه بعمل نحو بعض المهمات ، وهم محمد التليلي صاحب مطبعة التليلي ، ومحمد الجعايبي صاحب جريدة « الصواب » ومحمد بن عمار ، وعلي كاهية .
تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 268
مساهمون: محمد محفوظ
ص٢٦٨