متفرقة ، أن يرخص لهما بممارسة مهنة الطباعة وإنشاء المطبعة ، لكونها تؤدي إلى نشر العلوم والمعارف بين أفراد الأمة الإسلامية ، وقد أرفق هذا الفرمان بنص فتوى شيخ الإسلام حرصا من السلطان على اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لإبراز موافقة علماء الإسلام على استعمال هذا الاكتشاف واستمتاع الرعايا بمزاياه وخاصة المحافظين ، وقام صاحبا المطبعة في أول الكتاب يصدر عن المطبعة بنشر نصوص خط همايون والفتوى ورسالة وسيلة الطباعة وتقاريظ العلماء عليها .
وهكذا بدأ سعيد أفندي وإبراهيم متفرقة العمل بعقد إنشاء شركة فيما بينهما ، تقوم بإعداد الآلات والأدوات اللازمة وصناعة الحروف ، وقد تم تأسيس المطبعة في منزل إبراهيم متفرقة الواقع في حي السلطان سليم ، ( جهارشنبه القريبة من الفاتح باستنبول ) بعد عمل متواصل استمر سنتين تقريبا ، وأطلق على تلك المطبعة اسم " دار الطباعة العامرة " « 15 » ، وطبعت أول كتاب في الدولة العثمانية ، وهو
هامش
فرمان سلطاني ( بعد فتوى من شيخ الاسلام ) عام 1124 ه - 1712 م ، حيث ينقل تلك المعلومة ، عن أديب مروه ، انظر : مدخل إلى الاتصال الجماهيري ، ص 236 .
( 15 ) - دار الطباعة العامرة : وهي أول مطبعة بالحرف العربي في الدولة العثمانية ، وقد أسسها إبراهيم أفندي متفرقة مع سعيد أفندي ( الذي أصبح فيما بعد صدرا أعظم ) ، حيث قام متفرقة بطلب افتتاح هذه المطبعة دور جور لاله ، وقد تأسست المطبعة في شهر ذي القعدة 1139 ه - تموز 1727 م ، وكان مقرها في منزل إبراهيم أفندي متفرقة ، الواقعة قرب سرايا السلطان سليم القريبة من منطقة الفاتح المطلة على خليج القرن الذهبي وقد سميت بدار الطباعة العامرة أو المطبعة العامرة ، وقامت بطباعة عدد من الكتب منها صحاح الجواهري وتحفة الكبار في إسرار البحار ، وكتاب جيهاننامه ( مرآت الدنيا وما فيها ) ، وقد استمرت هذه المطبعة بالعمل حتى عام 1143 ه - 1730 م ، حيث تم تدميرها ، أثناء أحداث ثورة باترونا ( من قبل المتمردين خاصة الخطاطين ) ، ولكن سرعان ما أعيد تأسيس المطبعة في السنة التالية واستمرت بالعمل حتى تعطلت للمرة الأولى خلال الفترة ( 1148 - 1153 ه - 1735 - 1740 م ) ، بسبب انشغال مديرها في عدة مهام دبلوماسية خارجية كلف بها من الباب العالي ، ثم أعيد تشغيل المطبعة مرة أخرى عام 1154 ه - 1741 م وقد طبعت خلال هذه الفترة ( 17 كتابا ) ولكن عادت المطبعة وتوقفت بسبب بعض الصعوبات المالية ، ثم وفاة مؤسسها إبراهيم أفندي متفرقة ، وقد استمر توقف المطبعة هذه المرة لمدة ثلاث عشرة سنة ، خلال الفترة ( 1155 - 1168 ه - 1742 - 1755 م ) ، حيث أعيد نشاط المطبعة مرة ثالثة بناء على محاولات قام بها إبراهيم أفندي القاضي ( وهو خليفة متفرقة وصهره ، والذي دربه على الطباعة في حياته ) وصدر فرمان من السلطان عثمان الثالث لإعادة فتح المطبعة ، وفعلا مارست عملها في 1169 ه - 1755 م وطبعت المجلد الأول من كتاب الصحاح " وان قولي " طبعة ثانية نظرا لنفاذ نسخ الطبعة الأولى ، كما طبعت بعض الكتب الأخرى ، الا أن حروف المطبعة قد تأكلت وطرأ على الكتب سهو وأخطاء املائية ، ومع مرور الأيام وانشغال الدولة العثمانية في تلك الفترة بأمور أكثر الحاحا ، ووفاة إبراهيم أفندي القاضي ، فقد تعطلت المطبعة للمرة الثالثة وهي أطول مدة لتعطيلها ، خلال المدة ( 1170 - 1198 ه - 1756 - 1783 م ) ويمكن القول أنه على امتداد الست وخمسين [ 56 ] سنة الأولى من حياة المطبعة لم تعمل سوى إحدى عشر [ 11 ] عاما فقط ، وقد حاولت السفارة الفرنسية في استانبول شراء آلات المطبعة من أرملة إبراهيم أفندي القاضي ، ألا أن السلطان عبد الحميد الأول الذي عقد العزم على إعادة إحياء هذا الفن الجيد ، أصدر فرمان في 18 ربيع الأول 1198 ه - 10 شباط 1784 م ، بإعادة فتح المطبعة وعين المسئولان عن المطبعة المؤرخين أحمد واصف أفندي ومحمد راشد أفندي ، وقد طبعت خلال هذه الفترة ، كتاب الكافية لابن الحاجب مع ترجمة تركية لزانيزاده ، وهو كتاب في النحو العربي صدر باللغتين العربية والتركية ( العثمانية ) ، ثم تطور موقف علماء الشرع الاسلامي في الدولة العثمانية إزاء فن الطباعة واقتناعهم بجدوى طبع كتب الفقه الإسلامي ، إذ سمحوا بذلك باستثناء طبع القرآن ذاته ، وبذلك ظهرت كتب الشريعة والفقه ، منذ بداية عام 1218 ه - 1803 م ، ومما تشير إليها المصادر أنه تم تغيير مكان وجود المطبعة في عهودها المختلفة . وقد أعيد تأسيس ( المطبعة العامرة - مطبعة عامرة ) في عام 1247 ه - 1831 م ، وأصبحت مطبعة رسمية تابعة ( لنظارة المعارف ) وكانت في محلة ( غول خانه - كلخانه ) القريبة من خليج القرن الذهبي ، وبالقرب من المقر السلطاني في طوبقابي سرابا ، واستمرت هذه المطبعة حتى نهاية الدولة العثمانية . انظر : سالنامه دولت عليه عثمانية ،