تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
روّاد التفسير الاقتصادي للتاريخ . أمّا في أعماله التاريخية الفنّيّة شأن « الوعد الحق » و « على هامش السيرة » و « مرآة الإسلام » فقد جمع بين المؤرّخ والفنّان ، وصالح بين العلم والإبداع ممّا صار معه التاريخ في كتاباته « موقفا حيّا » تنتهي معه القطيعة التقليدية بين المؤرّخ والفنّان دون أن يخون الفنّ التاريخ . وتشغل المسألة التعليمية والثقافية حجر الزاوية في مسيرة طه حسين وفكره . فلقد عاش مشغولا بها شاغلا الناس بها لا يكفّ عن زرع الأفكار الجديدة حيثما كان في الجامعة أو في الإدارة أو في الوزارة ، أو في ما خطّ قلمه . فهو قد آمن أنّ حريّة الفرد لا تكتسب إلّا بالتعليم ، وأنّ استقلال الوطن لا يتحقّق إلّا بالتعليم ، وأنّ المثل العليا للشعوب لا تتأسّس إلّا على التعليم ، ، وأنّ التعليم هو الشرط الأوّل للحياة الكريمة ، ولا بدّ من توفير الفرص للجميع لتتحقّق هذه الكرامة للجميع . وقد عرض طه حسين في كتابه « مستقبل الثقافة في مصر » فلسفة للتربية مؤسّسة على نظر مستقبلي عدّها الخصوم وهما وعدّها العلماء من أسس الحداثة العربية . ولكنّ طه حسين ، المستشار الفني في الوزارة ثمّ وزير المعارف ، حوّل الحلم إلى واقع حين قرّر مجانية التعليم الثانوي والفنّي ، ومجانية تغذية التلاميذ على نفقة الدولة ، وقرّر بثّ المدارس في كلّ أنحاء مصر ، وأكثر من الممنوحين إلى خارجها ، وأسّس جامعة إبراهيم باشا ( عين شمس حاليا ) ووحّد نظم التعليم الخ . . . وكذلك قضى طه حسين حياته يذود عن العدل الاجتماعي والحرية السياسية ، وهما عنده لا ينفصلان . فالحرية شرط أساسي للحياة الصالحة الكريمة . والحرّية السياسية شرط للحياة الاجتماعية الكريمة المبنية على العدل الاجتماعي . ولا غنى لمصر وللمصريين بل لا غنى للإنسان حيثما كان عنهما . ومسيرة طه حسين حافلة بأشكال الرفض والصمود والتحدّي في مواجهة الطغيان حتّى غدا لمعاصريه وللأجيال اللاحقة رمزا لشموخ المفكّر أمام السلطان . وما كتبه « مرآة الضمير الحديث » و « المعذّبون في الأرض » و « جنّة الشوك » و « جنّة الحيوان » إلّا مشاركة أدبية في تحقيق هذين المطلبين . وممّا جعل طه حسين ملكا ، لا لمصر وحدها بل للأمّة العربية وللإنسانية جمعاء ، أنّه كان من روّاد الانفتاح الثقافي والحوار الحضاري . فكما أسهم في نقل الفكر الإنساني إلى الثقافة العربية عن طريق ترجمة روائع الآثار الغربية والتعريف برموز الثقافة الغربية وبتجارب الأمم الغربية ، وإدخال اللغات الأجنبية القديمة والحديثة في التعليم ، وإرساء الدراسات الكلاسيكية في الجامعة ورعايتها ، فإنّه - في ذات الوقت - سعى إلى إنشاء المعاهد الثقافية خارج مصر وكراس للغة العربية في الجامعات الأجنبية ، وإلى تشريك العالم العربي في الهيئات العلمية والمؤسّسات الدولية ، وإلى تثبيت مكانة الأدب العربي بين الآداب الكبرى ، وإلى نقل عيون التراث العربي إلى اللغات الأجنبية ، فدفع الثقافة العربية إلى آفاق عالمية جديدة وكان هو جسرا بين الشرق والغرب . وقد كانت الصحافة أداته المثلى في التعبير عن كل ما تقدّم من المبادئ التي تعلّق بها ضميره الحيّ الحرّ منذ أن بدأ يكتب في