تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
وبمعنى أوضح يكاد كل لفظ فيه إذا غير مكانه يكون كالغريب الذي زايل وطنه ، لا يمكن استبداله . يعدّ حامد حسن في طليعة الشعراء الذين اتسموا واشتهروا باختيار الفكرة وجمال الأسلوب ورقة العاطفة وسموها . كيف لا وهو الذي نشأ وترعرع في بيئة ريفية أنيقة موحية وارفة الظلال :
فالشمس والنسمة المخضبة الجوانح بالعطور * تستأذنان عليّ عابرتين في نفق صغير
عباراته وصوره الشعرية مكتنزة بأنغام غنائية أخاذة ، لأن الغرض الذي يود تحقيقه في شعره هو خلق المتعة واللذة الجمالية . ونحن علينا أن نتقصى هذه المتعة الجمالية عبر شعره لنرى مدى تحقيقه لها ، ومقدار بلوغه إياها فشعره يتفاعل فيه عالمان : عالم الطبيعة والمجتمع ، وعالم النفس والمشاعر ، تزيد من جمالهما وتأثيرهما اللغة الأنيقة الرفيعة المستوى ، المفعمة بأنغام منسقة رخيمة تهتز لها النفس الرقيقة الواعية وهو القائل :
تهتز من شعري وأي خميلة * نزل الربيع بها ولم تتأود
وقصيدته « امرؤالقيس والعذارى » خير مثال للتدليل على عالم الطبيعة والمجتمع ، وعالم النفس والمشاعر . و « التجسيد » خاصة يكاد يتميز بها حامد حسن وهذا ما يتطلبه الشعر العربي الأصيل الحديث أو ما نريد أن تطلق عليه تطور الشعر العربي . وقد شاعت هذه الخاصة في مجمل قصائده ، ولربما في معظم أبيات تلك القصائد . ففي قصيدته « اللاجىء والشتاء » قال :
الشمس وانطفأ ابتسام الله في ثغر النهار * والرعب ملء الدرب والليل الرهيب يلف داري ومشى الصقيع إليّ والجوع المرير إلى صغاري
ويفيدنا الشاعر أنه من خصائص الصور التجسيدية « القلب » أي قلب دلالات الألفاظ من حالة الإيجاب إلى حالة السلب ، وبالعكس ، ففي قوله في ديوانه « أضاميم الأصيل » :
وتعبّ كأس الخمر ظامئه ، فيشربها الشراب
تأكيد لهذه الخاصية ، فالشراب هنا تحول من مشروب إلى « شارب » . إنه شاعر إنساني أنيق الكلمة ، مشرق العبارة ، مرهف الشعور ، صاحب أسلوب ساحر ، ونغم آسر ، يذوب نفسه شعرا أرقّ من جفن يعلم الغزل ، على حد قول الشاعر بشارة الخوري : وهو - أي حامد حسن - تشعر وأنت تقرأ مجمل قصائده تقريبا ، أنه قد تماهى في هذه القصائد ، جسدا وروحا فإذا بأنفاسه تهدهدك فتستغرق في النشوة كما يستغرق المحب في ذكرى حبيبه الغائب النائي . فهو صاحب مخيلة غنية خصبة ثرية الألوان والظلال . . وبستانا مملوءا بالسحر والجمال ، ومرآة صقيلة تنعكس عليها حتى الأطياف . فلنقرأ معا قوله من قصيدة « الحلم الرهيب » :
الفجر في شفتيك يكسب عندمه * والليل فوق يديك يحرق أنجمه وغفوت يا شبح الخطيئة في يدي * والبدر يكسب فوق مضجعنا دمه