« السروي » ، ولهذا لا يجوز لطالب العلم أن يعتمد على الأحاديث المنثورة في كتب « غريب الحديث » جميعا دونما بحث عمّن خرّجها ، وفحص لأسانيدها ، وقال : « عندي عن علي بن المديني قمطر ، ولا أحدّث عنه بشيء ، لأني رأيته المغرب وبيده نعله مبادرا فقلت : إلى أين ؟ قال : ألحق الصلاة مع أبي عبد الله ، فظننته يعني أحمد بن حنبل ، ثمّ قلت : من أبو عبد الله ؟ قال : ابن أبي داؤد فقلت : لا حدّثت عنك » ، لما كان من صلته بالسلطان .
وقد اتّفقت جميع كتب التراجم والطبقات على زهده وتورّعه ورفضه لأعطيات السلاطين ، فقد ذكر أبو عثمان الرازي أن الخليفة المعتضد بالله العباسي نفّذ إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم فردّها ، ثمّ عاد إليه رسول الخليفة فقال له : إنّ أمير المؤمنين يسألك أن تفرّقه في جيرانك ، فقال له : عافاك الله هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته ، قل لأمير المؤمنين إن تركتنا وإلّا تحوّلنا من جوارك [ الحموي ، معجم الأدباء ، 1 / 43 ] وكان يقول : « ما كنا نعرف من هذه الأطبخة شيئا ، كنت أجيء من عشاء إلى عشاء ، وقد هيّأت لي أمي باذنجانة مشوية أو علقة بنّ ( سمن ) أو باقة فجل » ، وعنه أيضا : « لقد أقمت ثلاثين سنة كل ليلة إذا أويت إلى فراشي لو أعطيت رغيفيّ لاحتجت إليهما » ولم يكن يأخذ أجرا عن العلم ، فقد ذكر الخطيب البغدادي عن أبي بكر الشافعي عن إبراهيم الحربي قال : « ما أخذت على علم قط أجرا إلا مرة واحدة فإنّي وقفت على بقّال فوزنت له قيراطا إلا فلسا فسألني عن مسألة فأجبته ، فقال للغلام ، أعطه بقيراط ولا تنقصه شيئا ، فزادني فلسا [ تاريخ مدينة السلام ، 6 / 530 ] .
كما عرف بالحكمة وسداد العقل ، فقد سأله العلامة اللغوي أحمد بن يحيى الشيباني المعروف بثعلب : متى يستغني الرجل عن ملاقاة العلماء ؟ فقال له إبراهيم : إذا علم ما قالوا وإلى أي شيء ذهبوا فيما قالوا . وسأل الحربي يوما جماعة عنده : من تعدّون الغريب في زمانكم هذا ؟ فقال واحد منهم : الغريب من نأى عن وطنه ، وقال آخر : الغريب من فارق أحبابه ، وقال كل واحد منهم شيئا ، فقال إبراهيم : « الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين ، إن أمر بالمعروف آزروه ، وإن نهى عن المنكر أعانوه ، وإن احتاج إلى سبب من الدنيا مانوه وتركوه » . ومن ورعه ما رواه مقاتل بن محمد العتكي قال :
حضرت مع أبي وأخي عند أبي إسحاق الحربي ، فقال لأبي : هؤلاء أولادك ؟ قال :
نعم ، قال : احذر لا يرونك حيث نهاك الله فتسقط من أعينهم [ ابن الجوزي ، صفة الصفوة ، 1 / 247 ] .
وكان كثير الاستشهاد بالشعر ، فعن عيسى بن محمد الطوماري ، قال : دخلنا على إبراهيم الحربي وهو مريض ، وقد كان يحمّل ماؤه إلى الطبيب ، فجاءت الجارية وردّت الماء ، وقالت : مات الطبيب فبكى وأنشأ يقول :
إذا مات المعالج من سقامي * فيوشك للمعالج أن يموتا