ونجحت في تكوين وعي شعبي تجاه مختلف القضايا المصيرية للمجتمع المصري ، فكان ذلك المناخ الملائم لتحقيق حلم طلعت حرب الشخصي والوطني في نفس الوقت .
فقد احتضن سعد زغلول فكرة إنشاء بنك للمصريين . وفي 1920 أعلن إنشاء هذا البنك ، وبدأ المصريون يكتتبون فيه ، حتى بلغ رأس ماله بعد فترة وجيزة مليون جنيه .
وفي مطلع 1922 أصدر الوفد بيانا يطالب المصريين بسحب ودائعهم من المصارف الإنجليزية والمساهمة في زيادة رأس مال بنك مصر لإحداث الاستقلال الاقتصادي ، « فقد وصلت نسبة رؤوس الأموال الأجنبية حوالي 92 % من الاستثمارات في مصر ، ونسبة الأموال الأجنبية التي تعمل في المجال الزراعي وحده 22 % » [ لمعي المطيعي ، موسوعة : هذا الرجل من مصر ، 1997 ، ص 457 ] .
ولا يعتقد القارئ أن نجاح بنك مصر في تلك الآونة كان نجاحا سهلا حتى ولو لقي مساندة حزب الأغلبية - الوفد - فقد كانت الأمور الاقتصادية في يد إنجلترا ، وكبار الملاك المحافظين على أوضاعهم الطبقية ومصالحهم ، ومن ثم فقد لاقى تأسيس بنك مصر ، معارضة شديدة ومحاولات لوأد الفكرة ، وروجت الصحافة فكرة عدم قدرة المصريين على إدارة بنك بالأسلوب العلمي الحديث ، وهو موقف لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي اتخذته الصحافة العالمية في مواجهة قرار تأميم قناة السويس في 1956 .
ومع ذلك فقد كان طلعت حرب يمتلك العقلية والإرادة على صنع المستحيل من وجهة نظر الإنجليز وكبار الملاك . يقول طلعت حرب ردا على هذه الدعاوى : « لا ننكر أن الأمة طفلة في المشروعات الاقتصادية ، وما هي الأمة التي ولدت عالمة مستعدة بفطرتها لمثل هذه الأعمال الاقتصادية . . . سلوا التاريخ أيضا ينبئكم عما قاست كل أمة في بداية نهضتها . وهل لكون الأمة غير مستعدة أن تبقى على عدم استعدادها إلى ما شاء الله » [ جريدة الأخبار ، 17 مايو ، 1920 ] .
واستطاع طلعت حرب أن يؤسس العديد من الشركات لتغطية قطاع الزراعة والصناعة والتجارة ، إلى جانب قطاع الثقافة ، فأنشأ مطبعة ومكتبة مصر ، صناعة وتجارة الزيوت ، غزل القطن ونسجه ، غزل ونسج الكتان ، الصوف ، صيد الأسماك ، التمثيل والسينما ، الطيران ، الملاحة البحرية ، السياحة ، التأمين ، صناعة الورق .
« لقد كانت هذه الصناعات التي أقامها بنك مصر قاعدة التنمية الصناعية لمصر في عصرها الحديث » [ أحمد بديع بلج ، قضية التنمية في مصر 1990 ، ص 85 ] .
إن هذه المشروعات أنشئت في الفترة من 1920 إلى 1940 . وهي الفترة التي شهد فيها الاقتصاد العالمي كسادا لم يشهده من قبل .
« ومع ذلك فإن عدد العمال في مصر قد ارتفع من 215 ألف عامل في 1927 إلى 630 ألف عامل في 1945 . ويعتبر استمرار نجاح المشروعات في ظل هذه الظروف من الآثار الاجتماعية العميقة على المجتمع المصري .
وإلى جانب قدرة هذه المشروعات على امتصاص أعداد كبيرة من الشغيلة فإن لبنك
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 339
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٣٩