لثياب تستره « حتى مرّ به بعض أصحابه وكساه ثيابا » ، كما كان يعتاش على نسخ كتبه ، فتقوم امرأة تبيع المنسوخ في سوق الوراقين ، فتشتري له « الكاغد بقدر ما يحتاج إليه ، ويشتري له بباقي ذلك قوت نفسه وعياله » [ ابن المرتضى ، ص 73 ] .
وعاصر جعفر بن حرب من الخلفاء المأمون ، والمعتصم ، والواثق وأخيرا المتوكل . وكان يحضر مجلس المأمون ، وكان يتابع المناظرات التي تعقد باستمرار ، حتى إنه إذا كان غائبا عن مناظرة ما يلاحقها إلى أصولها ، تماما كما فعل مع ما جرى من مناظرة بين أبي الهذيل العلاف وبين زاذان الثنوي بحضور المأمون ؛ فبلغ جعفر بن حرب الأمر مما اضطره ذلك إلى زيارة زاذان الثنوي لمعرفة الأمر ، وناقشه حتى قطعه .
وكان الخليفة الواثق يسميه الشيخ الصالح في مجلسه ، حيث كان جعفر بن حرب يحضره تحت تأثير الوزير أحمد ابن أبي داؤود ، رغم رغبة جعفر بعدم حضور مجلس الخليفة أصلا ، حتى قال مرة لابن أبي داؤود : « ما أريد الحضور لولا أنك تحملني عليه » [ ابن المرتضى ، 73 ] .
ويبدو أن ازدياد زهد جعفر بن حرب ، وتشدّده في عزلته عن الناس ، مع ممارسة حياة الفقراء ، جعله يتطرّف في تديّنه ، حتى تجاسر مرة على عدم اعترافه بإمامة الخليفة الواثق للمصلين ممن كانوا في مجلسه ، فعزل جعفر نفسه بعيدا وصلى وحده . فأنذره الوزير أحمد ابن أبي داؤود بأن لا يعود إلى مجلس الخليفة مرة أخرى ؛ فكان للوزير ما أراد .
ولعلّ حياة التقشف ، والفقر المدقع ، جعلا بن حرب في صحة رديئة حتى أصيب بالسل ؛ وربما يفهم أن ادعاء المرض كان حجة لعدم حضور مجالس المناظرات عند الخليفة وغيره .
ومن مطارحاته :
1 - عارض أبا الهذيل العلاف في مسألة السكون الأزلي على أهل النعيم [ الشذرتان
[ Al - A'asam , p . 129 - 76 - 75
.
2 - كما خالف أبا موسى المردار وجعفر بن مبشر في رأيهما بتفسيق عثمان والبراءة منه [ الشذرات 108 ، - 110 - 137 - 138
[ ibid . , pp .
.
ومن الواضح أن ابن الريوندي الذي هاجم جعفر بن حرب باعتباره الشخصية الخامسة عشرة من قائمة المعتزلة الذين انتقدهم في كتابه « فضيحة المعتزلة » [ انظر
Al - A'asam , p .
35 ] ، ولم يستطع الخياط الدفاع عنهم بغير اتهام ابن الريوندي ، أنه كان يقتبس أقوالهم من ردود المعتزلة بعضهم على البعض الآخر [ الانتصار ، ص 72 ، 124 ] .
وأخيرا كان جعفر بن حرب الصالح ، المعتزلي ، الزاهد ، واحد دهره في العلم والصدق والورع والزهد والعبادة . لكن من الواضح من المصادر هيمنة الشذرات المنسوبة إلى جعفر بن مبشر على مثيلاتها المنسوبة إلى جعفر بن حرب ، رغم أن مؤلفات هذا الأخير كانت متداولة أكثر من تلك التي للأول في أيدي المعتزلة . وليس لدينا اليوم تفسير لذلك ، غير أن ( الجعفرين ) محمولان على بعضهما فكان انتشار الأول أكثر من الثاني ،