أصبحوا يستعملون نظام أريستاخ الذي كان استمد منه ثابت بن قرّة طريقة قياس السنة النجمية . ولقد كشف إبراهيم بن سنان بن قرّة عن تعلّقه بمذهب أريستاخ بقوله : « . . وكذلك الكواكب المتحيّرة فإنه لا يمكن الوقوف على أمورها إلّا برصدها بالقياس إلى الشمس والقمر والكواكب الثابتة . . . » [ م . س ، ص 10 ] .
ومن بين الكتب التي تناولها إبراهيم بن سنان بالدرس : « مقالة في الأشكال ذوات الخطوط المستقيمة » من وضع والده ، و « كتاب القطوع ومساحة الأسطوانة » ، و « كتاب في مساحة قطاع الخطوط » ، و « كتاب في مساحة الأشكال المسطحة والمجسمة » لجدّه . كما تعلّم من هذا الأخير حساب التكامل في المساحات ، إلى جانب اطّلاعه على بعض الأعمال الرياضيّة للمهاني [ ملحق 1 ] .
ومن خلال دراسته لهذه الآثار عمّق إبراهيم بن سنان معارفه الرياضية ولا سيما تلك المتعلّقة بحساب المساحات . ولم يكتف بطريقة أبيه ، والمهاني بل تعدّاها إلى ما هو أبعد فاستنبط طريقة أكثر سهولة في حساب المساحات بواسطة التكامل ، تدعى تطابق الأشكال الهندسية . هذه الطريقة المبتدعة أضافها إلى نظرية تكسير المساحات المنحنية إلى أشكال مستقيمة ، مكّنته من حساب مساحة القطع المكافئ بالرجوع إلى مقدمتين فقط ، بينما جدّه ، قد كان يستعين لنفس المسألة ، بقدر 22 مقدمة أولميّة
( Lemmes )
[ ملحق 2 ] .
وبعد تمكنه من دقائق علوم الحساب توجّه إلى دراسة كتب الرصد ، فاقتنى نسخة من الزيج الممتحن بخط المهاني المهندس ، كما ذكر هو ذلك ، ثم نسخة من أرصاد والده إلى جانب أرصاد بطليموس وأرصاد بني موسى .
وعند فحصه لهذه المجموعة لاحظ أثناء مقارنة أحد الأزياج بغيره ، عدم تطابق وتماثل ما يسمّيه بأمور الشمس
( Parametres )
فلجأ إلى الرسم الهندسي للحركات الفلكية ، معتمدا في ذلك على مقادير أمور الشمس التي توفّرت في الجداول المذكورة ، فتبيّن له بعد الاستقراء : أن الفوارق بين الزيجات ليست ناتجة بالضرورة عن غياب الدقّة وبخل الآلة بقدر ما أنّ بعض المقادير تتغيّر دوريّا . وعلى هذا الأساس نجح في تعليل أعقد حركات الأرض ، بأن بيّن أنّ انتقال الاعتدالين أو المنقلبين ثم انتقال الأوج معا هو في الحقيقة انتقال قطب فلك البروج [ ملحق 3 ] . وقد نسب الاكتشاف فيما بعد إلى الإنكليزي برادلي ( ت 1175 ه / 1762 م ) .
هذا الفتح الجديد في علم الحركات السماوية شجّع العلماء في عصر إبراهيم على تصوّر أنواع جديدة للحركات غير الحركات المستقيمة والدائرية المألوفة لدى الإغريق . ولعلّ الرسم البياني المذكور ، هو الذي حثّ إبراهيم على تبنّي نظام أريستاخ ، طمعا في إيجاد تفسير لحركة الاعتدالين أفقيا ، وحركة الأوج عموديا معا . ومن المعلوم أنّ منطق حدوث الحركتين معا يقضي بإعطاء حركة انتقالية للأرض حول الشمس . ولكن كما بيّن البيروني ، فإنّ أريستاخ لم يعمل بهذه النظرية .
وبالتالي يكون برهان إبراهيم بن قرّة ، هو سبب التفكير فيها لأوّل مرة ، ويرى بعض الباحثين أنّ كوبرنيكس انطلق من تفسير