ووفاته مثله في ذلك مثل عدد كثير من شعراء الجاهلية ورجالاتها ، وكان معاصرا لعامر بن الظرب العدواني ، قال المرزباني : هو شاعر قديم كثير الشعر ، له مع عامر بن الظرب العدواني ( ت نحو 535 م ) حديث . وهو معدود من الصعاليك الفرسان الشجعان ، وكان فاتكا خليعا ، وبسبب ما جلب لقومه من جنايات ، ولكي يتبرأ من جرائره ، خلعته قبيلته خزاعة في سوق عكاظ ، وأشهدت على نفسها بخلعه فلا تسأل عن جريرة يحدثها ، ولا تطالب بجناية يرتكبها . وبعد خلعه أصبح لا يأوي إلى قبيلة ، ولا يشد عضده بأخرى . ومن أخباره ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني أن خزاعة بن عمرو لما خلعت قيس بن الحدادية ، وكان أكثرهم سعيا وقولا في خلعه أناس من قومه يقال لهم : بنو قمير بن حبشيّة بن سلول ، فجمع لهم قيس طائفة من شذّاذ العرب وفتّاك من قومه ، وأغار عليهم ، وقتل منهم رجلا يقال له : ابن عشّ ، وساق أموالهم أمامه ، فلحقه رجل سيّد من قومه يقال له : ابن محرّق ، وكان هواه وميله مع قيس ، وممن عارض خلعه ، فأقسم على قيس أن يرد ما أخذه من مال ، فقال : أمّا ما كان لي ولقومي فقد أبررت قسمك فيه ، وأمّا ما أخذته أيدي هذه الصعاليك فلا حيلة لي فيه ، فرد قيس سهمه وسهم عشيرته ؛ قال :
فأقسم لولا أسهم ابن محرّق * مع اللّه ما أكثرت عدّ الأقارب
ومن أخباره أن هوازن أغارت على رعاء لبني ضاطر بن حبشيّة قوم قيس ، فقتلوا منهم رجلا وسبوا منهم نساء ، وأخذوا أموالهم ، فجمع قيس قومه ، فأغار على هوازن ، وقتل منهم عدة رجال ، وأصاب سبيا ومالا ، فقال قصيدة حائية يفخر فيها بانتصاره ، ويذكر نكايتهم في عدوهم ، منها تسعة أبيات ذكرت في الأغاني ومجموع شعره .
وبعض أخباره الأخرى مذكورة في الأغاني دون غيره من المصادر .
ومات مقتولا ، وخبر ذلك أنه لقي جمعا من مزينة يريدون الغارة على بعض من يجدون منه غفلة ، فقالوا له : استأسر ، فقال : وما ينفعكم مني إذا استأسرت وأنا خليع ؟ ولله لو أسرتموني ثم طلبتم بي قومي عنزا جرباء جذماء ما أعطيتموها ( الجرباء : أصابها مرض الجرب ، والجذماء : المقطوعة اليد ) ، فقالوا له : استأسر لا أمّ لك ، فقال : نفسي عليّ أكرم من ذاك ، وقاتلهم حتى قتل . وقيل في سبب قتله : إنه كان يتحدث إلى امرأة من بني سليم ، فأغاروا عليه وفيهم زوجها ، فهرب منهم ، فنام في ظلّ وهو لا يخشى الطلب ، فاتبعوه فوجدوه ، فقاتلهم ، فلم يزل يقول رجزا وهو يقاتلهم حتى قتل .
لم يذكر ابن النديم في الفهرست أنّ لابن الحدادية ديوانا ، ولم تشر مصادر ترجمته التي بين أيدينا أن أحدا من الرواة أو الأدباء صنع له ديوانا ؛ ولذلك فإن معظم شعره ضاع وذهب بموت من كانوا يحفظونه في عصره حين كانت الرواية الشفهية هي السائدة . وما وصل إلينا منه يعد قليلا ، يحتفظ الأغاني بالقسط الأوفر منه ، يليه كتاب الاختيارين للأخفش الأصغر علي بن سليمان . وعني الدكتور حاتم صالح الضامن بجمع شعره من المصادر ، ونشره في كتابه « شعراء مقلّون » ، وبلغ ما جمعه اثنين وستين ومئتي بيت ، في ست عشرة قصيدة ومقطوعة .