منجك ، ورتب فيها صوفية ، وعهد إلى ابن أبي حجلة ، بولاية مشيختها والتدريس فيها - كما أسلفناه قبل ذلك .
وكان له اتّصال مع التاجر الكارمي محمد بن بشير التاجي ، أحد تجار الكارم في مصر ومن أعيان الدولة ، والذي كان يحضر مجالس الذكر في الخانقاه ، وقد قدم ابن أبي حجلة كتابه في الشطرنج للتاجر الكارمي [ ابن أبي حجلة ، أنموذج القتال ، 23 - 24 ] . هذا إضافة إلى ما ورد في ثنايا البحث من اتّصالات كانت عن طريق الدراسة أو الإخبار أو الصحبة أو الرفقة ، مع عدد من العلماء والشيوخ والأدباء ، أمثال جمال الدين يوسف بن يعقوب المقدسي ، قراءة من لفظه ، وابن أبي حجلة يسمع بدمشق وذلك سنة 742 ه ، وقاضي قضاة العسكر ، نور الدين أبو عبد الله محمد بن عبد القادر الصائغ الأنصاري الشافعي ، والذي قرأه عليه بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق ، سنة 743 ه ، وكمال الدين محمد بن النحاس ، رفيق دربه في رحلته إلى مصر ، وأبي زيد المغربي ، والأعرج السعدي ، صاحبيه وقد كانا إلى جواره ليلة وفاته [ ابن حجر ، الدرر الكامنة ، 1 / 329 ؛ أنباء الغمر ، 1 / 108 ] ، وأبي الحسن ، ابن برغوش التلمساني ، المجاور بمكة [ المقري ، نفح الطيب ، 2 / 200 ] .
وعلى الجانب الآخر ، فقد كان للبيئة العلمية الأدبية التي نشأ فيها ابن أبي حجلة ، وفي لقاءاته ومدارساته ومذاكراته للعلماء والشيوخ والفقهاء في المغرب ودمشق والحجاز ومصر ، أثرها في تكوين ثقافته ، وانعكست على أسلوبه في الكتابة . فقد كان يستقصي المادة ويحشد المعارف بعبارات سهلة مسجوعة ، ويستخدم العبارات الجاهزة التي صدرت عن غيره ، والتي تؤدي المعنى ببراعة وقوّة ، ويشرح بعض المفردات التي يظن أنها تحتاج إلى التوضيح .
يصف ابن أبي حجلة منهجه في الكتابة « مما تلقطته من أفواه الشيوخ الأجلّة ، ورويته عن كثرة وقلة ، وشاهدته بعين الحقيقة التقطته من التواريخ المعتمد عليها » [ ابن أبي حجلة ، سكردان السلطان ، 349 ] ، وفي مرة أخرى يذكر : « ومما رأته عيناي وسمعته أذناي ، ووعاه قلبي » [ ابن أبي حجلة ، ديوان الصبابة ، 267 ] . فالمنهجية عند ابن أبي حجلة تقوم على تخير الألفاظ ، وتصيّد الأقوال والعبارات التي صدرت عن الأدباء والعلماء ، والمشاهدة والملاحظة ، إضافة إلى النقل من المصادر المعتمدة الرصينة ، ثم امتلاكه ملكة الشعر ، وجزالة النثر والترسّل والجودة في صناعة الكتابة .
هذه الثقافة الواسعة ، شكلت شخصيته الأدبية ، فأسبغ كتّاب السير ومعاصروه من العلماء والأدباء والفقهاء على كتابته ، أعظم الثناء ، ونعتوها بأجمل الصفات . فقد عدّه ابن الأحمر ، أحد معاصريه من فحول الزمان ، إذ يقول : « هو المستبحر ببراعته على صدور القوافي والأعجاز ، المستكثر في الشعر المدوّن ببدائع الطلاوة ، والمستطيل عليه بالرقة والحلاوة » [ ابن الأحمر ، نثير فرائد الجمان ، 229 ] . وابن حبيب قال عنه :
شهاب ينير ، فاضل خير ، عارف بالأدب ، ماهر في كلام العرب طلع من المغرب ، وجمع بين المرقص والمطرب [ ابن قاضي شهبة ، التاريخ ، 3 / 455 - 456 ] . وابن حجر العسقلاني وابن تغري بردي يصنفانه
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 237
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٣٧