والجماليّة ؛ وفلسفة نقديّة لأنّ انفتاحها لا يعني الارتماء في أحضان الآخر والتخلّي عن الهويّة الأصيلة والمقوّمات الذاتية ، بل بالعكس إنّها لا تتردّد في انتقاد الذات ( إسلام اليوم ، النزعات القومية ) والآخر ( الإيديولوجيات اللّيبرالية والاشتراكية ) على السواء ، وانتقاد كلّ المذاهب والمناهج والمقاربات ، دون أن يمنعها ذلك من تبنّي الأوجه الإيجابيّة والنافعة والواقع إلى بعد واحد . إن اجتماع سمات التطوّر والانفتاح والنقد جعل من فلسفة الحبابي فلسفة متعدّدة وواحدة في آن واحد ، متعدّدة لأنّها نوّعت منطلقاتها وأساليب نظرها وتفكيرها ، وواحدة لأنّها وجهت كل ذلك نحو غاية واحدة هي الوصول إلى سعادة الإنسان بما هو إنسان بغضّ النظر عن انتماءاته التاريخية والحضارية واللّغوية . من هنا يمكن القول بأنّ الحبابي يمثّل نموذج المفكّر المسلم الذي نجح في أن يكون قادرا على الانفتاح على الآخر ، وأن يكون ندّا له ، دون رغبة في التعالي عليه أو الاستصغار أمامه .
أمّا كتاباته الأدبيّة فقد عكست اهتماماته وأطروحاته الفلسفية بلغة الشعر والقصة والرواية ، رغبة منه في أن تنفذ أفكاره وآراؤه إلى قلوب أوسع الجماهير وعقولهم . وقد عبّرت دواوينه الشعرية ، التي كتبها أصلا باللغة الفرنسية ، وقصصه ورواياته - التي كتب بعضها بالعربية والبعض الآخر بالفرنسيّة - عن قلق إنسان العالم الثالث ، وتمزّقه بين حضارته الخاصّة وحضارة الغرب ، كما عبّرت في ذات الوقت عن شعوره العميق بأزمة القيم التي يعاني منها الإنسان الحديث بصفة عامة ، والتي تنبئ بفشل النموذج الغربي للحضارة في علاج المشاكل والأزمات المتفاقمة . لكنّه مع ذلك لا يستسلم ، بل يأمل في مستقبل أفضل بالبحث عن طريق خاصّ يقود البشريّة جمعاء إلى الخلاص . وإذا كان الحبابي ينطلق في شعره وأعماله الأدبيّة الأخرى من وضعيّته كإنسان مسلم ينتمي إلى العالم الثالث ، فليس من أجل الانحباس في همومه وأحكامه المسبقة وثقافته المحلّية العتيقة ، بل لغاية أن ينفتح ويتواصل مع الغير ، لأنّ في تضافر الجميع يكمن البديل الذي تنتظره الإنسانيّة .
وقد كان لأعمال محمد عزيز الحبابي تأثير كبير على الفلاسفة والمثقّفين العرب ، ولو أنّ معظمهم لم يعترف به صراحة . ويكفي دليلا على تأثير إنتاجه الغزير والمتنوّع والشامل ، أنّ جلّ المواضيع والهموم والقضايا التي طرقها في مختلف أطوار فلسفته منذ الخمسينات إلى التسعينات ستظهر تباعا عند المفكّرين الذين جاؤوا بعده باعتبارها قضايا جديدة ، في حين كان الحبابي رائدا في طرحها منذ زمن بعيد .
فقضايا الهويّة والاستلاب ، والنقد المزدوج للذّات والآخر ، ونقد العقل العربي والعقل الإسلامي ونقد المركزية الأوروبية ، ونقد النزعة القومية والنزعات الإسلامية المتشدّدة ، وقضايا العلاقة بين الأصالة والمعاصرة ، الخ . سبق للحبابي أن تعرّض لها ، وتناولها في نصوص متعدّدة . لقد كان الحبابي رائدا ومجدّدا للفكر المغربي والعربي والإسلامي ، وكان في ريادته وتجديده متوازنا مسؤولا ممّا جعل عصره لا يفهمه كثيرا لأنّه كان عصر رفض وجموح ، لكنّنا نعتقد أنّ الأجيال المقبلة ستكون أكثر وفاء لفكره وعرفانا بإسهاماته .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 145
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٤٥