أقامها الفلاسفة بين الماديّة والمثاليّة ، بين الوجود والعقل ، بين العقل والوجدان ، بين النفس والجسم ، بين الفرد والمجتمع ، بين الأنا والآخر ، بين الحتميّة والحريّة ، بين الفلفسة والدين . . . اعتقادا منه بأن « التشخصن » هو قبل كلّ شيء حركة توحيديّة « ترمي إلى تحقيق الكلّ الشامل » الذي هو الإنسان بمعناه الغنيّ والقويّ ، لقد كان الحبابي يؤمن بالوحدة الجامعة لا على صعيد الذات الفرديّة فحسب ، بل وكذلك على مستوى الجنس البشري عامة .
وبجانب عنصر الوحدة ، تتميّز شخصانيّة الحبابي بالتحوّل والتعدّد . ذلك أن تحوّل الفرد من كائن خام إلى شخص ممتلئ له مكانته المتميّزة داخل محيطه يتمّ عبر مسلسل « التشخصن » ، وهو مجموع الانفعالات والفعاليّات الاجتماعيّة والثقافيّة واللغويّة والفنّيّة والدينيّة . . . التي تجري داخل الفرد ، أو يقوم بها أثناء حياته . وهذا يعني أن « التشخصن » فعل متحرّك ومتعدّد وشامل يحيط بالإنسان في كلّ أبعاده العقلية والوجدانيّة والجسميّة والاجتماعية والنفسية ، عبر علاقة ديناميّة بين الأنا والعالم ، كما يعني « التشخصن » أنّ الشخص هو حصيلة تواصله مع الآخرين ، وتفاعله مع محيطه الطبيعيّ ، ونتيجة ارتباطه بماضيه ونزوعه إلى مستقبله .
وهذا ما جعل شخصانيّته فلسفة ذاتية ، لذلك فهي مضادّة للفلسفات الماهويّة ، التي تتصوّر الأنا هويّة عامّة ، أو جوهرا ثابتا لا يتأثّر بعوامل التغيّر ، ولا ينفعل بعوامل الزمن وإكراهات المكان والمجتمع . ومع ذلك لا يمكن اعتبار شخصانيّة الحبابي فلسفة فرديّة ، فهي لم تكن تعتبر الآخر جحيما بالنسبة إلى الأنا ، بل بالعكس كانت تذهب إلى أنّه لا يمكن تصوّر أحدهما بدون الآخر . إنّ تفاعل الشخص مع واقعه ، وتفاعله مع الآخرين ، يعني أنّه عبارة عن حصيلة سلسلة من التحوّلات التي تنال كلّ شيء فيه ، أو مجموع تحقّقات جزئيّة تتراكم باستمرار على مرّ الزمان ، ممّا يمتنع معه الكلام عن هويّة واحدة للشخص تظلّ لصيقة به طول حياته .
وهذا التحوّل من الكائن الخام إلى الشخص الممتلئ لا يمكن أن يتمّ إلّا إذا توفّر شرط الحرية ، التي يفهمها الحبابي بوصفها فعلا للتحرّر ، لا حرية مجرّدة . لكن بالرغم من التحوّل الدائم لفعل « التشخصن » ، فإنّه يدور حول نواة ثابتة هي الإنسان ، الذي هو في نفس الوقت غاية هذا الفعل التحوّلي للتشخصن وأفقه . وهذا ما أضفى على شخصانيّته طابعا إنسيّا .
وقد وصف الحبابي شخصانيته في باكورة إنتاجه بالواقعية ، لأنّه يقول بأنّ على الفيلسوف أن يستخلص فلسفته من طبيعة عصره ومن صميم واقعه ، وإلّا أضحت لغوا لا نفع من ورائه . بيد أن واقعيّته لا تروم أن تصبح واقعيّة ماديّة لكونه كان يرفض إلغاء دور الفكر والروح والإيمان في عمليّة تحليل الواقع وتغييره بل أنّ واقعيّته كانت تدعو إلى تضافر الماديّ بالروحي حتّى لا يختلّ التوازن على مستوى الشخص والمجتمع . ومن ثمّ كانت واقعيّته لا تتعارض مع القول « بالتعالي » لأنّه كان يعتقد أنّ « التشخصن » وحده لا يكفي إذا كان يتوقّف عند عتبة تحويل الفرد من « كائن » إلى « شخص » ، بل لا بدّ من فعل آخر هو التأنسن . بعبارة أخرى ، إنّ استكمال الذات البشرية لا يتمّ إلّا إذا حقّق الفرد تحوّلا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 143
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٤٣