باسمها ، ويؤسّس « دار الفكر » التي كانت ملتقى لكلّ المبدعين ، ويرأس النادي الثقافي « البحر الأبيض المتوسّط » ، الخ .
إلى جانب ذلك ، ساهم الحبابي في فعاليّات عدّة مؤسّسات علميّة وطنيّة وعالميّة :
كأكاديميّة علوم ما وراء البحار الفرنسيّة ، وأكاديميّة إيطاليا ، والأكاديميّة الدوليّة لفلسفة الفنون بسويسرا ، ومجمع اللّغة العربيّة بمصر ، والفدراليّة الدوليّة للفلسفة ، وأكاديميّة المملكة المغربيّة . وموازاة لذلك ، نال عدّة جوائز وألقابا تكريميّة في المغرب وخارجه . كلّ هذا يدلّ على أنّ الحبابي كان منخرطا في هموم بلاده ، ملتزما بمصير أمّته ، في نفس الوقت الذي كان فيه واعيا للمخاطر الّتي تواجه العالم الثالث والإنسانيّة جمعاء ، ممّا يعني أنّه لم يكن يفهم الفلسفة باعتبارها تأمّلا نظريا ، بل كان يراها التزاما بقضايا المدينة والإنسان .
وموازاة لذلك انفردت شخصيّته بانفتاح منقطع النظير ، وبإقبال على الحياة ، كما تميّز حضوره في المنتديات الفكريّة بسرعة البداهة وحسن التخلّص ، إلى جانب عمق التفكير ودقّة الملاحظة ، وشجاعة المواجهة والنقد .
وقد كان حريصا على الحضور والمشاركة في كلّ الأنشطة : من المباريات الرياضيّة إلى المسرحيّات والأمسيات الشعريّة والموسيقيّة والثقافيّة ، لا من أجل أن ينفعل بها وحسب ، بل ومن أجل أن تكون موضوعا لتفكيره أو شعره أو روايته . لقد كانت حياته مصداقا لفلسفته الشخصانيّة ، التي ترى أنّ ثراء الشخص لا يتحقّق إلّا في تحوّله من شخصيّة إلى أخرى ، وذلك عبر تواصله مع الآخرين وخوضه لمعارك التغيير والتعبير . وكان منزله فضاء مفتوحا لكلّ الفعاليات الإبداعيّة ، يلتقي فيه أصناف من المثقّفين والفنّانين والأدباء والعلماء والسياسيّين من كلّ أصقاع الدنيا .
اشتهر الحبابي في الخمسينات وبداية الستينات بكونه فيلسوف « الشخصانيّة الواقعيّة » . وفي أواسط الستّينات أضفى على فلسفته لقبا آخر ، فصارت « شخصانيّة إسلاميّة » ، لكنّه ما لبث أن وجد نفسه مضطرّا لتجاوز هذه التسمية إلى تسمية أخرى هي « الفلسفة الغدية » ( نسبة إلى الغد ) ، وذلك في أواسط السبعينات . وقد كان المحرّك الأوّل لفكر الحبابي ، وتحوّله المستمرّ من رؤية فلسفيّة إلى أخرى ، هو البحث عن هويّة مركّبة يتنازعها الحنين والشوق ؛ حنين إلى أصالة ماضي الثقافة الإسلاميّة بعقلانيّتها و « شخصانيّتها » وإنسيتها ، وشوق إلى حداثة الثقافة الغربيّة القويّة بعلومها وإبداعاتها وهيمنتها .
لم يكن الحبابي إذن يؤمن بالقطيعة والفصل والإقصاء ، بل كان بالعكس فيلسوف الجمع والتوفيق والتكامل حيال الثقافة الإسلاميّة بمختلف ألوانها ، وإزاء الثقافة الغربيّة بكلّ اتّجاهاتها ومغامراتها المتجدّدة . فقد كان يعمل بصدق للعثور على قواسم مشتركة بين الأبعاد المتنوّعة للثقافة الإسلاميّة من جهة ، والاتّجاهات والتيّارات الفكريّة الغربيّة من جهة ثانية ، في سبيل بناء منظومة متوازنة ومتكاملة من الأفكار والثقافات والحساسيّات والآفاق دون إقصاء أو استحواذ . وهذه الروح الجامعة هي التي مكّنت الحبابي من تحاشي السقوط في فخّ الثنائيّات والنقائض التي
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 142
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٤٢