تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
آخر ينتقل بموجبه من « الشخص » إلى « الإنسان » ، وهو الذي يسمّيه بالتعالي أو التأنسن . وعندما تتحقّق لحظة « الإنسان » ، تنتفي بين الأشخاص الفوارق والمدافعات السيكولوجية والاجتماعيّة والتاريخيّة ويتحرّرون من التحيّزات والولاءات العرقيّة والثقافيّة ، والتشيّعات المذهبيّة القطعيّة ، وينفتحون على الكلّ ، على الإنسانيّة والعالم والتاريخ ، فتتطابق المصالح الشخصيّة مع المصالح العامة ، ويصبح الفرد كأنّه الإنسانيّة جمعاء . هكذا جمعت شخصانيّة الحبابي بين الواقعية والتعالي ، بين التشخصن والتأنسن . إنّ مرحلة « الواقعة المتعاليّة » من فلسفة الحبابي مهّدت لمرحلة أخرى وصف فيها شخصانيّته بأنّها إسلاميّة ، لأنّها جعلت من الإسلام ، ومن « الشهادة » ، منطلقها الفلسفيّ . لقد أصبح الإسلام في إطار « الشخصانية الإسلاميّة » رديفا للتسامح والعقلانية والشخصانيّة ، وأداة لتحرير الإنسان من قيوده ، ووسيلة لامتلاكه لذاته وهويّته . فالمسلم الحقّ في نظر « الشخصانيّة الإسلاميّة » هو الذي لا يسقط ضحيّة التزمّت المذهبيّ ، أو الهذيان الطرقيّ ، أو الرمزيّة الغنوصيّة ، ومن ثمّ فهو إنسان منفتح على عالمه ، مطيع لربّه ، منفّذ لأوامر شريعته ، لكن في إطار من الاجتهاد والتلاؤم مع الزمن . إنّ إلحاح الحبابي على البعد الإيماني في شخصية الفرد لم يكن نتيجة مراعاته لمقتضيات نظريّة ، أو لرغبته في الدفاع عن هويّة متميّزة عن الآخر المسيحي ، بل إنّ إلحاحه على البعد الدينيّ كان نتيجة إيمان قويّ ، يشهد عليه حرصه على ممارسته لشعائره الدينيّة . وأخيرا اشتقّ الحبابي من لفظة « الغد » نعت الغدية لوصف فلسفته في مرحلتها الأخيرة ، إشارة منه إلى خطورة المستقبل بالنسبة إلى وجود الإنسان في العالم المعاصر ، وإلى أمله في أن يجعل من « الغد » مكانا مشتركا تتجاوز فيه الدول والقوميّات والثقافات حدودها ، وتنهار فيه كلّ المركزيّات الحضارية والاقتصاديّة ، وبخاصة المركزيّة الغربيّة . إنّه أمل في بناء مستقبل جديد للإنسانيّة جمعاء تتساوى فيه الحضارات وتذوب فيه الفروق بين العالم المتقدّم والعالم المتخلّف ، وتسود فيه المحبّة والعدالة والتفاهم ، ويتحرّر فيه الإنسان من عقده وأحقاده الثقافيّة والعرقيّة ، وتعود له ثقته بنفسه كغاية لا كوسيلة . من جهة أخرى ، يمكن اعتبار كتاب « من الكائن إلى الشخص » تفكيرا في الإنسان بما هو إنسان ، وكتاب « الشخصانية الإسلامية » تفكيرا في الإنسان بما هو مؤمن ، في حين كانت كتبه عن الغدية تفكيرا في إنسان عالم الغد بما هو مهدّد في قيمه ووجوده وكرامته ، وبما هو متطلّع إلى مستقبل جدير بالإنسانيّة . ويظهر جليّا أنّ فلسفة الحبابي فلسفة متطوّرة ومنفتحة ونقديّة ؛ متطوّرة لأنّ صاحبها كان في مغامرة دائمة للبحث عن صيغ فكرية جديدة أصدق تعبيرا عن واقع الإنسان ، وأقدر على تغيير شروط وجوده ومصيره ، لا سيما وأنّنا موضوعون في زماننا هذا أمام خيار : « إمّا أن نغيّر العالم والإنسان أو نتلاشى » ؛ هي فلسفة منفتحة لأنّها تأخذ بعين الاعتبار كلّ أبعاد الإنسان العقليّة والوجدانيّة ، الإيمانيّة والعلميّة ، مستأنسة في كلّ ذلك بجميع العلوم الإنسانية والتيارات الفكرية والدينية