تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
صادق ومنسجما مع نفسه المتشبّعة من مناخ بيئة أخلاقية فكرية مفطورة على حبّ الحقيقة والجمال والخير والعالم والعمار والانفتاح وتقديس الحرية واحترام الذات الإنسانية الشخصية في كلّ فرد من الأفراد ومتحرّرة من كلّ أنواع التعصّب والإقطاعيّات سواء مادية كانت أم روحية . يتميز شعره بوحدة النهج والغاية ، فكأنّه في مجموعه قصيدة واحدة في ثلاثين نشيدا . الأفكار عينها تتنامى ، تتكثّف ، تتعقّد ، تتجرّد حتّى الاختزال . ولعلّه فطن إلى الانغلاق في بعض قصائده فوضع لها مقدّمات تفسيرية . يعبّر شعره بصدق عن حالاته النفسية في تقلّباتها وثوابتها : تقلّباتها بين اليأس والأمل ، والشكّ والإيمان ، نشوة الذكرى وسأم الحاضر ، وثوابتها تحريك الزمن المجمّد ، وبعث الخصوبة في العقم ، تجسيد البطل المحضّر ، المنقذ . اعتمد الأساطير والرموز أساسا للتعبير عن تجاربه ، وهي في معظمها تعكس نفسيته المضطربة . وحاول أن ينفذ عبر الواقع اليومي والأحداث الطارئة إلى الحقائق التي ترتفع بالعابر نحو البقاء الدائم وأن يوحّد بين الخاصّ والعامّ فيجسّد هموم معاصريه من خلال الرمز الذي ينظّم التجربة ويشرك الآخرين فيها ، ويوحّد الزمن بين ماض يوحي به الرمز وحاضر يتململ في معاناة وجودية ومستقبل في رؤى شفّافة تارة ، وفي ما يشبه الهلوسة تارة أخرى . أما رموزه فأكثرها مأخوذ من التراث الديني ومن التراث العربي خصوصا والشرقي عموما ومن الطبيعة . ويبرز في شعره إيقاع متوافر وصور نافرة وعبارات شائعة ، وحتّى عامية ، تخلق في تزاوجها جوّا مؤثّرا على طريقة الموسيقى التعبيرية في عملية توازن وتضادّ وتوافق وتنافر . إنه شاعر الحرية التي لا دعاية لها ، ولا بوق ولا نفير ولا جوقة تسير خلفها أو تعدو أمامها . الحرية بالصمت والتأمّل والتعرّي من الأطيان والتراكمات ، الحرية بالسير ضدّ الذات وقتل الذوات الكثيرة التي تعيق فعل الحرية ، الحرية التي لا تؤخذ ولا تعطى ، بل إنّها تحلّ في النفس ، حين تحلّ النفس فيها . هو شاعر الانبعاث والتجدّد ، همّه الإنسان الحرّ في مجتمع راق حرّ . عاش هاجس التغيير والتجديد . لم يستطع الشاعر فيه إلّا أن يكون مصلحا مجدّدا مسؤولا . فليس من انفصام عنده أو تفريق بين الشاعر والمصلح الذي يحمل همّ شعبه . وكلّ ما يعكّر ذلك أو يؤخّر في تحقيقه كان بالنسبة إليه مصدر ألم وتنغيص . إنّ هاجسه كان الشعر الذي يحرّك ويتناول القضايا المجتمعية الإنسانية الكبرى ، ويخاطب الإرادة والشعور والفكر معا ، ويدفع حياة الأمّة إلى الأفضل والأجمل والأكمل . إنّه من الشعر المميّز في التراث الشعري الأدبي الحديث . شعر ملحميّ حضاريّ قوميّ إنسانيّ على مستوى راق من الجودة في الصورة والرمز في خصوصيّته ونبرته وسطوته الغلّابة التي كان لها تأثير واسع وكبير في الشعر الحديث . الشعر عنده كان نحتا وتشكيلا في مادة الذات