ذوّاقة الخمور في معاصر الكلام ، وسيّد الصاغة في حكّ الجماليات . أستاذ تفكيك العبارة والنص والأعماق . أخرج إلى القرّاء المقصّب من حجارة أهل المحابر ، فلقّب عن حقّ بشيخ النقد الأدبي .
وأوقف حياته على تطوير المفاهيم الأدبية والشعرية ، وكانت جولات موفّقة في أسلوبية الكتابة العربية ودرس الآداب العربية القديمة والحديثة بشكل عقلاني وموضوعي . غير أن تجليّاته تميّزت في درس المدارس الأدبية والأجناس الأدبية والنقد .
وفي مستهل عرضه لفنّ الخطابة يقول : إنّ الفن لا يغدو أن يكون وسيلة نفسية كثيرة التعقيد للتعبير عن تنازع الإنسان لبقائه ومصيره ، وأسلوبا معنويا يعوّض فيه بالوهم عمّا يتعذّر عليه تحقيقه في الواقع .
ويعتبر في دراسته عن عمر أبو ريشه وإبراهيم ناجي وبدوي الجبل ان « قيمة الشاعر ليس فيما أجاد بما أعاد بل فيما ابتكر ، أي في الرؤيا الجديدة التي ارتسم الوجود من خلالها ، وفي الأغوار التي نفذ إليها ، دون أن يرسف أو يسقط في التحليل والتعليل النثريين . . . » فالشعر ليس ألعوبة لفظية أو فكرية ولا مباراة على المعاني المطروقة ، وليس حماسا يلتهب ويصطخب ، كما أنّ غايته ليست المتعة العابرة ، وإنّما هو نوع من التعبير السامي عن النفس والوجود في اتحاد حميم بين الذات والموضوع . . .
ويقول في دراسة أخرب بأنّ « الشعر هو في رصيده الأخير ، معرفة فيما وراء المعرفة ، إنّه الرؤيا التي تحلّ في تخوم الحقيقة وتستحضرها بالمشاهدة بدلا من التفسير والتقرير ، هي ابنة الانفعال العامل الذي ينفذ إلى داخل النفس بدلا من أن يطفر إلى الخارج ، ويتروّى بترهات الغلو الأرعن الفاقد المضمون » .
ويمتاز إيليا حاوي المؤلّف والباحث ، ببعد النظر ، وعمق الشعور ، ورفاهة الإحساس ، والقدرة على سبر أغوار النصّ الأدبي ، وإبراز ما فيه من خصائص وأسرار على فهم واستيعاب .
وكان يثير اهتمامه في كل دراسة أدبية وبحث خصائص الإبداع ، والتفرّد ، والتجديد ، فيمعن في تحليلها ، وتقصّيها ، ويجلّي في التقاط الدقائق والتفاصيل ، والمزايا التي لا تنكشف إلا لعيني عبقري . فكتابته ذات نكهة خاصّة ، مدمّثة بالذوق الرفيع ، تجنح أحيانا نحو الإسهاب ، وربّما يعود ذلك إلى أنّه مدقّق ومحقّق يتوخّى إبراز الأشياء واضحة ناصعة مقنعة ، تهذّب الذّوق والإحساس والضمير ، وتهذّب الأخلاق والمشاعر والتفكير ، وتنم عن قوّة في الشخصية ، وسعة في الثقافة ، وامتلاك لناصية اللّغة ، وحسن استخدام لأدوات التعبير وطرق التفكير والتحليل والاستقراء والاستقلال والاستنتاج والموازنة في جميع كتبه ما يحمل القارئ على الإعجاب بهذا الأدب ، ويدفعه إلى متابعة القراءة مستمتعا مقتنعا معجبا مهتما بما تعرضه كتاباته من شؤون أدبية وفنّية واجتماعية وثقافية وتاريخية وإنسانية .
ويبقى إيليا حاوي واحدا من الكتّاب والباحثين والمؤلفين القليلين الذين عرفهم لبنان والعالم العربي في النصف الثاني من
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 132
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٣٢