يؤمّ قوما ، ولا يأكل لأحد طعاما » . ولقد كان في سلوكه محاربا للرياء والخيلاء حتّى أنه قال : « لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس » . كما عدّ الصدقة أفضل من الحج ، لأنّ الحاج قد يرائي ، وإن لم يفعل علم الناس بحجّة ، في حين المتصدّق قد لا يعلم بعمله أحد إلّا الله عز وجلّ [ الرسالة القشيرية ، ص 11 ؛ صفوة الصفوة ، 2 / 333 ] .
لقد ساوق الحافي في زهده لمحاربة الرياء غضبا ممّا آل إليه زمانه من محن وصراعات وتملّق للسلطان ، فصبّ جام غضبه على بعض علماء عصره من محدّثين وفقهاء ، متّهما إياهم بخيانة ما ائتمنوا عليه من علم ، وهو جزء من الوراثة النبوية ، وبأنّهم يتسابقون إلى رضا السلطان واكتناز الأموال واعتماد العلم وسيلة لطلب الدنيا . وعن كل هذا قال بشر الحافي :
« كان العلماء رضي اللّه عنهم موصوفين بثلاثة أشياء :
صدق اللسان ، وطيب المطعم ، وكثرة الزهد في الدنيا . اليوم لا أعرف في هؤلاء أحدا فيه واحدة من هذه الخصال ، فكيف أعبأ بهم أو أبش في وجوههم ، وكيف يدعي هؤلاء العلم وهم يتغايرون على الدنيا . . . ويجرحون أقرانهم عند الأمراء . . . ويحكم يا علماء السوء أنتم ورثة الأنبياء وإنّما ورثوكم العلم فحملتوه وزغتم عن العمل به ، وجعلتم علمكم حرفة تكسبون بها معاشكم أفلا تخافون أن تكونوا أول من تسعر به النار ؟ ! » [ الطبقات الكبرى ، 1 / 63 ] .
لم يسلم من هذه الصفات الذميمة ، حسب الحافي ، إلّا قلة من العلماء الزاهدين الصادقين أمثال سفيان الثوري ، لهذا ينصح بشر أحد تلامذته المتصوّفة بأن يطلب العلم للعمل به وليعرف حقيقة الدنيا فيزهد فيها ، فقال له : « يا طالب العلم . . . لو عملت بما علمت لتجرّعت مرارة العلم ، ويحك إنما يراد بالعلم العمل . فاسمع يا أخي وتعلّم ثمّ اعمل واهرب ؛ ألا ترى إلى سفيان الثوري رضي الله عنه ، كيف طلب العلم وتعلم وهرب .
فاسمع ما أقول لك فإنّ طلب العلم إنّما يدل على الهرب من الدنيا ، لا على حبّها » . وعن العلماء الذين يطلبون الدنيا بما أكرمهم الله من علم يقول الحافي بأنّهم غرقى في بحر من الأدران فهم كمن يحاول إزالة وسخ بما هو أوسخ ، وممّا جاء في وصفه لهذا الصنف من العلماء قوله : « مثل الذي يأكل الدنيا بالعلم والدين مثل الذي يغسل يديه من الزهومة بماء تنظيف السمك ، أو كمثل الذي يطفئ النار بالحلفاء » . وذهب في تذمّره وتشاؤمه مما آل إليه حال واقعه إلى التنبّؤ بما هو أسوأ فقال :
« سيأتي على الناس زمان تكون الدولة فيه للحمقى والأراذل على أهل العقول والأكابر » [ طبقات الصوفية ، ص 46 ؛ الطبقات الكبرى ، 1 / 62 ] .
لهذا كله لجأ الحافي إلى الزهد وكثرة التعبّد ، فراح يدعو إلى حال يكون فيها الفقير مترفعا عن السؤال مع شدّة فاقته ، وإذا أعطي لا يأخذ . كما دعا إلى الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الناس ، وحثّ على مخالطة الأخيار وتجنّب الأشرار فقال : « صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار وصحبة الأخيار تورث حسن الظن بالأشرار ، وإنّ الله تعالى لا يسأل عبدا قط ، لم أحسنت ظنّك بعبادي ؟ » وليحقق الصوفي كماله رأى الحافي أنه عليه أن يحوز على ثقة الصديق والعدو
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 105
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٠٥