تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الرجلين في أذهان المحدّثين والمتصوّفة المعجبين بعلم وأخلاق أحمد بن حنبل وبورع وزهد الحافي ، حتّى تحدّثوا عن رؤى ومبشّرات جمعتهما في الجنّة وأعلت أكثر من شأنهما بين الناس حتّى بعد وفاتهما ، بالرغم من الصراع التقليدي والخلاف المعهود بين الصوفية والفقهاء ، وهو الصراع الذي لا نلحظه بين الرجلين ، والذي قد يرجع إلى جمع الحافي بين التصوّف والفقه والحديث من جهة ، والتزامه الصمت كخاصيّة لتصوّفه ، وعزلته وتركه إسناد الحديث ، من جهة ثانية [ سير أعلام النبلاء ، 11 / 349 ] . وقبل أن يزهد الحافي في رواية الحديث كان يشهد له بالثقة ويبجّله أئمّة الحديث ، فلقد قال عنه الدارقطني بأنه : « زاهد جبل ، ثقة ليس يروي إلّا حديثا صحيحا » . وعندما تملّكه علم الباطن وزهد في الدنيا واعتزل الناس ملتزما الصمت المطبق ، كثيرا ما ألحّ عليه مريدوه والمحدّثون أن يروي لهم ما يحفظه من حديث ، فكان يرفض ذلك ، بل دفن ما كان قد كتبه . ومن مبررات تركه الحديث اعتقاده أنّ ذلك يشغله عن النوافل وحتّى الفرائض ، ويستدلّ هنا الحافي بقول لسفيان الثوري جاء فيه : « عليك بمجالسة القراء والتفقّه في الدين ، واحذر عصابة يأتونك في طلب الحديث ، فإنّهم إن صدقوك شغلوك عن النوافل ، وإن كذبوك شغلوا قلبك ، فاحتجت تتصنّع لهم وتعيدهم لهواك ، حتّى يتركوك فتذهب الفرائض » . وكان بشر يربط الاشتغال بعلم الحديث وروايته بالرياء وبمجاراة النفس التي تهوى ذلك لاستحسان الناس له ، ولما قيل له : ألّا تحدّث ؟ قال : « أنا أشتهي أن أحدّث ، وإذا اشتهيت شيئا تركته » [ سير أعلام النبلاء ، 10 / 470 ، 475 ؛ العبر في خبر من غبر ، 1 / 399 ؛ حلية الأولياء ، 8 / 360 ؛ شذرات الذهب ، 1 / 60 ] . ثمّ إنّ الحديث في رأيه يحتاج من راويته الالتزام به ، وأن يدفع زكاته ؛ حيث كان يقول لأصحاب الحديث : « يجب عليكم فيها زكاة ، كما يجب على أحدكم إذا ملك مائتي درهم خمسة دراهم ، فكذلك يجب على أحدكم إذا سمع مائتي حديث أن يعمل منها بخمسة أحاديث » . ومن الأحاديث التي رواها الحافي وبتسلسل يصل إلى أبي سعيد أنّ النبي قال : « ثلاث لا يفطرن الصائم : الحجامة والاحتلام والقيء » . واللافت للنظر أنّ الحافي في مرحلة زهده أصبح لا يروي الحديث إلّا نادرا ويكتفي بالأحاديث التي تخدم ورعه ومنحاه الصوفي [ التدوين في أخبار قزوين ، 2 / 427 ؛ حلية الأولياء ، 8 / 357 ] . وعن سبب ورعه وزهده في الحياة الدنيا بكل مظاهرها في المأكل والملبس وحتّى في إسناد الحديث النبوي وفي الحديث إلى الناس ، « أنه أصابه في الطريق كاغدة مكتوبا فيها اسم الله عز وجلّ ، قد وطأتها الأقدام ، فأخذها واشترى بدرهم معه غالية فطيب بها الكاغدة وجعلها في شق حائط ، فرأى فيما يرى النائم قائلا يقول له : « يا بشر طيبت اسمي لأطيّبن اسمك في الدنيا والآخرة » ومن ذلك اليوم عمل الحافي على أن لا يعلم شيئا إلّا وعمل به ، وأن لا يطلب الدنيا مهما سعت إليه ، وأن يتجنّب حتّى إمامة الناس ، فتعمّق في الزهد وقال : « من أراد أن يكون عزيزا في الدنيا سليما في الآخرة فلا يحدث ، ولا يشهد ، ولا