الثوري ، تعلّم على محدّثين وفقهاء كبار يشهد لهم بالعلم والزهد والورع ، ولم يكتف بمن وجد منهم ببغداد التي كانت تعجّ بالعلماء ، وإنّما رحل إليهم حيث كانوا ، فقد شدّ بشر الحافي الرحال في طلب العلم إلى مكّة والكوفة والبصرة وسمع من عيسى بن يونس ، وشريك بن عبد الله ، وأبي معاوية ، وأبي بكر بن عياش ، وحفص بن غياث ، وإسماعيل بن علية ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وإبراهيم بن سعد ، ومالك بن أنس الذي قال عنه بشر : « من زينة الدنيا أن يقول الرجل حدثنا مالك » [ الديباج المذهّب ، ص 24 ] ، وكذلك أبي يوسف القاضي ، وابن المبارك ، والمعافى بن عمران الموصلي ، والفضيل بن عياض .
ومن أبرز مشايخه في التصوّف إبراهيم بن أدهم ، الذي كثيرا ما روى بشر أقواله ووصف أحواله التي يميّزها كثرة الفعل وقلّة القول .
وأما الذين رووا عنه أو تتلمذوا عليه في الزهد والورع فمنهم : نعيم بن الهيضم ، وابنه محمد بن نعيم ، وإبراهيم بن هاشم بن مشكان ، ونصر بن منصور البزاز ، ومحمد بن المثنى السمسار ، وسري السقطي ، وإبراهيم بن هاني ، ويحيى الجلاء . ومنهم أيضا : أبو حمزة البغدادي البزاز ، وجهم العكبري ، وأبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز وغيرهم [ تاريخ بغداد ، 7 / 67 ؛ طبقات الحنابلة ، 1 / 129 ؛ صفوة الصفوة ، 2 / 334 ] .
يعد بشر الحافي من أجلّ المحدّثين ، ومن كبار رجال التصوّف ، فهو من طبقة الفضيل بن عياض ، وذي النون المصري ، ومعروف الكرخي . قال عنه الصوفي إبراهيم الحربي :
« ما رأيت بعيني قط أفضل من بشر بن الحارث » . كما اعترف له ابن الجلاء بالأستاذية بالرغم من أنه « لم ير بشرا ولم يدركه وإنّما أبوه يحيى الجلاء أدركه وصحبه » ، كما صنّفه في خيرة الصوفية وجعله أفضلهم على الإطلاق ، حيث قال : « رأيت ذا النون وكانت له العبارة ، ورأيت سهلا وكانت له الإشارة ، ورأيت بشر بن الحارث وكان له الورع . فقيل له : إلى من كنت تميل ؟ فقال :
بشر بن الحارث أستاذنا » [ تاريخ بغداد ، 7 / 74 ] ، ولقد كان الناس يبجلون بشر الحافي ويودّون صحبته ، حتّى أنّ اسمه كان بينهم كاسم نبي ، بل وأحبوا أن يدفنوا بالقرب منه ، وتنافسوا للظفر بقبر قرب قبره ، مثلما فعل الصوفي أبو بكر بن أزهر ، وحتّى المقبرة التي هو مدفون بها أضحت تحمل اسمه واسم أحمد بن حنبل ، وهي التي يرقد بها علماء وشماريخ التصوّف مثل : سري السقطي ، وداود الطائي ، والجنيد ، وكلّهم من بغداد [ شذرات الذهب ، 2 / 312 ؛ وفيات الأعيان ، 1 / 93 ؛ سير أعلام النبلاء ، 18 / 287 ؛ رحلة ابن بطوطة ، 1 / 245 ] .
لقد عاصر بشر الحافي أحمد بن حنبل وكان بينهما مودّة واحترام ، فلقد تعاطف بشر الحافي مع ابن حنبل في محنته مع المعتزلة ومسألة خلق القرآن ، حتى أنه قال بعد أن عوقب الإمام أحمد بالضرب : « أدخل أحمد الكير فخرج ذهبا أحمر » بمعنى أنّ ابن حنبل قد نجح بامتياز في ما امتحن فيه ، وما زاده الضرب إلّا استقامة واستقرارا على الحق [ سير أعلام النبلاء ، 11 / 197 ؛ البداية والنهاية ، 10 / 336 ] . وكثيرا ما اقترن اسم
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 103
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٠٣