في مجلسه ، وكانت سيرته وعلمه موضع رضا واطمئنان وإعجاب من طلبته وأصحابه ، فقد وصفه ابن النجار ( ت 643 ه ) بأنّه كان جيّد النقل ، صحيح الضبط ، كثير المحفوظ ، وكانت أصوله في غاية من الصحة والإتقان ، وكان ثقة ، نبيلا ، حجة ، حسن الطريقة ، متديّنا ، فقيرا ( زاهدا ) متعفّفا ، نظيفا ، نزها .
وقف كتبه على أصحاب الحديث . ومصداق زهده وتعفّفه أنّه لم يخلف من التركة غير ثياب بدنه ، وكلّها خلق مغسولة وأثاث منزله ، وهو متواضع مختصر جدا ، وثلاثة دنانير من العين ( نقد ) . ويروي عنه تلميذه ابن سكينة ( ت 607 ه ) قائلا : قلت لابن ناصر : أريد أن أقرأ عليك « ديوان المتنبي » ، و « شرحه » لأبي زكريا التبريزي . فقال : « إنّك دائما تقرأ عليّ الحديث مجّانا ، وهذا شعر ، ونحن نحتاج إلى نفقة » . قال : « فأعطاني أبي خمسة دنانير فدفعتها إليه ، وقرأت الكتاب » [ سير أعلام النبلاء ، 20 / 269 ؛ ذيل طبقات الحنابلة ، 1 / 226 ؛ تذكرة الحفّاظ ، 4 / 1290 ] .
وعرف بأن له يدا باسطة في معرفة النحو واللغة ، بل كان رأسا في اللغة كما يصفه الذهبي ، وكان فصيحا ، مليح القراءة ، قويّ العربية ، بارعا في اللغة [ م . س ] . ويقول عنه ابن الجوزي : قرأت عليه ثلاثين سنة ، ولم أستفد من أحد كاستفادتي منه . ويصفه بأنّه كان حافظا ضابطا ، متقنا ، ثقة ، لا مغمز فيه ، قال : تولّى تسميعي ، سمعت بقراءته « مسند أحمد » والكتب الكبار وعنه أخذت علم الحديث [ المنتظم ، 10 / 163 ؛ سير أعلام النبلاء ، 20 / 267 ] . ويثني عليه السمعاني في « الذيل على تاريخ بغداد » ويصفه بأنّه ثقة ، حافظ ، ديّن ، متقن ، ثبت ، له حظّ كامل من اللغة ، ومعرفة تامة في المتون والأسانيد ، كثير الصلاة ، دائم التلاوة للقرآن الكريم ، صحيح القراءة والنقل . لكنّه قيّد عليه أنّه كان يحبّ أن يقع في الناس ويتكلم في حقّهم .
وقد اعترض ابن الجوزي ذلك بأنّ صاحب الحديث يجرّح ويعدّل ، وليس هذا من قبيل الغيبة المنهي عنها . ولا بد من التّفريق بينهما ، واتّهم السمعاني بالتعصّب على الحنابلة .
ويعلّق الذهبي على موقف ابن الجوزي بالقول : وليس الأمر كذلك ، ولا ريب أنّ ابن ناصر متعصّب بالحطّ على بعض الشيوخ [ سير أعلام النبلاء ، 20 / 267 ؛ تذكرة الحفاظ ، 4 / 1289 ؛ المنتظم ؛ 10 / 163 ] . ويروي ياقوت عن ابن ناصر حكاية إن صحّت فإنّها تدلّ على تعصّب وضيق بالمذاهب الأخرى لا سيّما مذهب الأشاعرة يصل حدّ الوسوسة غير المستساغة [ الوافي ، 5 / 72 ] .
تلقّى عن ابن ناصر جمع كبير صار منهم علماء كبار فيما بعد ، فقد حدّث عنه ابن عساكر ، وأبو سعد السمعاني ، وابن الجوزي ، وأبو طاهر السلفي ، وأبو موسى المديني ، وأبو عامر العبدري ، وأبو العلاء العطار ، وأبو أحمد بن سكينة ، وتاج الدين الكندي ، وداود بن ملاعب ، وعبد العزيز بن الناقد ، وأحمد بن ظفر بن هبيرة ، ويحيى بن الربيع الفقيه ، وعبد العزيز بن الأخضر ، والفقيه محمد بن غنيّة ، وموسى بن عبد القادر وآخرون [ سير أعلام النبلاء ، 20 / 266 ؛ ذيل طبقات الحنابلة ، 1 / 228 ] .
توفي ابن ناصر يوم الثلاثاء 18 شعبان سنة ( 550 ه ) ودفن في مقبرة باب حرب ببغداد
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 100
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٠٠