بما يحفل به شعر الشباب من شك في كل شيء ، وتمرّد على كل شيء ، مما أوقعه أمام حملة ضارية من الشيوخ ولا سيما شيوخ الأزهر ، فهجر الشعر حينا ، ولكنه غلبه فعاد إليه مرّة أخرى بعد أن ازدادت قراءاته وتعمّق فيما قرأه ولا سيما في أدب التصوّف والمتصوّفين .
إن أوّل ما يلحظه الدارس لشعر صالح جودت ذلك الحيّز الذي تشغله المرأة في شعره ، فقد احتلّت مساحة واسعة ، لعلنا لا نبالغ إن قلنا إنها تقرب من ثلث نتاج الشاعر .
وعندما نتتبّع أشعار صالح في المرأة ، نلمح خيطا رئيسا جاء أغلب شعره فيه ، وهو الخيط المادي الحسّي ، وان كنّا لا نعدم شواهد من شعره تدلّل على نزوعه الروحي تجاه المرأة ، لكنها قليلة على أية حال .
أما الجانب الأكبر في شعره - كما ذكرنا - فهو الجانب الحسّي ، ممّا دعا الدكتور محمد مندور إلى أن يقول عنه : « صالح جودت شاعر غنائي حسّي لعوب » [ الشعر المصري بعد شوقي لمحمّد مندور ] .
ويبدو أن للبحر نصيبا كبيرا في شعر صالح مع المرأة ، فقد كان بالنسبة له شركا للحسان ، وموئلا للفاتنات ، فهناك يرى على شاطئه الجسد العبقري ، أو يلتقي على صفحاته بالفاتنات السابحات ، وأحيانا يغوص معهنّ إلى الأعماق .
إنّ الشاعر نجح - في أغلب الأحيان - بشكل طيّب في مزج الحديث عن الحب والشاعر بالطبيعة .
أحبّ شاعرنا مصر أرضا وسماء ، وتعلّق بها نيلا ونخيلا ، واستقرّت مصر في وجدانه لوحة فاتنة ، تلهمه جميل المعاني من نيلها المتدفّق وطبيعتها المعطاءة الخضراء ، فأحبّها الشاعر وملكت عليه قلبه ، فتراه يقول لها :
يا جنّتي يا كوثري * يا هبة النيل الثّري
يا بهجة نائمة * على بساط أخضر
يا شعلة دائمة * على طريق الأعصر
وما أكثر القصائد التي أرسلها صالح ، والتي أكد فيها ولاءه لمصر ، وحبه لها . ولا تتحدّد الوطنية عند صالح طبقا لارتباطه بوطنه مصر ، وإنّما يمتدّ معناها ليشمل عنده الوطن العربي كلّه ، والذي ارتبط بمصر بروابط خاصة ، فهو يقول :
ما حدودي عند أسوان ولا الإسكندريه * ما حدودي بالسويداء ولا باللاذقيه
بل من البحرين للمغرب أهلي وذويه * وطني في كلّ شبر من بلاد العربية
كتب الله على الوحدة الكبرى أليه * وحدود الله أبقى من حدود البشرية
ذلك صالح جودت في عروبته ووطنه الكبير :
كفاح ضدّ الاستعمار في كل حين ، واستنهاض للهمم ، وحض على الثورة ، وإشادة ببطولات العرب ، وتمجيد العمل الفدائي ، ودعوة إلى الوحدة والتضامن والإخاء بين العرب جميعا ، ونبذ الفرقة والانقسام .
الناظر في دواوين صالح جودت يجدها قد