و « ناجى حياته وشعره » ، شاهد على ذلك « فالرجل يمتلك من عذب الألفاظ ورائقها ما يتمكّن معه من نقل لأفكاره إليك في سهولة ويسر ، وهو مطمئنّ من إفادته لك ، واجتذابه لعقلك وعاطفتك » [ مدرسة أبولو الشعرية في ضوء النقد الحديث ، د . محمد سعد فشوان ، ط . دار المعارف 1980 ، 159 ] .
بدأت رحلة صالح جودت مع المرض ثم الموت منذ يونيو 1974 ، عندما كان يحضر الأسبوع الثقافي العربي الألماني الذي انعقد في مدينة كوبنجن بألمانيا الغربية .
وعاد صالح من ألمانيا ليدفع ثمن حياة الإفراط ، كما وصفها ، التي عاشها طوال السنوات العشرين الأخيرة من حياته .
ولقد بدأت عوارض المرض عليه ، عندما أصيب بلهاث شديد ، قال الأطباء : إنه نوبة حادة تلزمه الفراش ممنوعا من العمل والكلام والحركة ، وحتّى من استقبال الأصدقاء لبضعة أسابيع ، أو لأكثر من ذلك أيضا .
« وتسوء حالته الصحّية أكثر ، ويسافر إلى لندن للعلاج ، وتنتهي الرحلة بعد ثلاثة أشهر ، ويعود صالح هزيلا مترنّحا يعالج سكرات الحياة ، إلى أن يعود مرّة أخرى إلى لندن ، بعد ستة أشهر كما قالوا له ، ليراجع الأطباء مسيرة العلاج » [ صالح جودت الشاعر والإنسان لفوزي عطوي ، 123 ] .
وقد انتقل صالح جودت إلى جوار ربه في 23 يونيو عام 1976 م .
ومن الجدير بالذكر أنّ صالح جودت قد هجر الشعر مرّتين :
المرة الأولى : عندما قابل صاحب مجلّة الصباح ، ويقص علينا ذلك فيقول في مقاله « تجربتي مع القلم » ذهبت لأقدّم له نفسي لأوّل مرة ، وسألني : أين والدك ؟ فقلت له :
أتعرف والدي ؟ قال : طبعا الأستاذ الكبير صالح جودت ، قلت : أنا صالح جودت ، وتفرّس في وجهي ، فرأى أمامه صبيا في السادسة عشرة ( والأرجح أن صالح جودت كان أكبر من ذلك عند حصوله على الثانوية العامة ، لأنّه قد رسب ثلاث سنوات متتالية في الصف الأوّل الثانوي ) فاستصغر شأني ، وأدرك الخطأ الكبير الذي وقع فيه خمس سنوات طوالا ، وربت على كتفي ، ودفعني برفق إلى الباب ، وكانت عنده لي قصيدة وظهرت المجلّة بعد ذلك ، فإذا بها هذه العبارة في باب رسائل القراء : جاءتنا من الأديب صالح أفندي قصيدة نجتزئ منها هذه الأبيات ، وبعد ذلك ثلاثة أبيات أو أربعة من قصيدة طولها ثلاثون بيتا .
وهكذا هبطت - والكلام لصالح جودت - من الأستاذ الكبير إلى صالح أفندي في غمضة عين ، فأقسمت أن أهجر القلم ، وكرهت الشعر والنثر ، وقرّرت أن ألتحق بكلّية التجارة ، بعد أن كانت وجهتي كلية الآداب ، ولم تمض أسابيع حتّى تلقّيت من صاحب المجلّة نفسها مكالمة رقيقة يدعوني فيها إلى لقائه فتردّدت قليلا ، ثم ذهبت فإذا هو يحسن استقبالي هذه المرّة ويقدّم لي القهوة ، ويسألني ، ولم أنقطع عن الكتابة في الصحف أسبوعا واحدا حتّى اليوم » .
أما المرّة الثانية فكانت بعد نشره ديوانه الأول « ديوان صالح جودت » فقد كان الديوان حافلا
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 535
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٣٥