معركة كبيرة حول الطفل الصغير الذي اسمه « عبد الرحمن » والذي يجب أن يكون اسمه « صالح » تيمّنا باسم شقيق له كان لامعا في دولة الأدب والقانون يومئذ هو المستشار صالح جودت صاحب المؤلفات الكبيرة في الأدب والقانون [ الأعلام للزركلي ] وكان له ما أراد ، وصدر إعلام شرعي بتغيير الاسم إلى « صالح جودت » .
ولقد نشأ والده - كمال الدين - محبا للقراءة والاطّلاع ، فقرأ أمهات كتب الأدب العربي القديم مثل مقامات الحريري ، والأغاني للأصفهاني ، والأمالي لأبي علي القالي ، وغيرها من أمهات كتب التراث ، ثم تعلّم في مدارس مصر ومعاهدها حتّى تخرّج مهندسا زراعيا ، وفي عام 1908 تزوّج من سيدة فاضلة من أسرة علم ودين ، والدها - الشيخ عبد الرحمن - من أصل تركي ، ووالدتها من أصل مغربي .
وبعد مولد الطفل الصغير - صالح جودت - بالزقازيق انتقلت الأسرة إلى القاهرة ، وكان للأسرة بيت أنيق بحي مصر الجديدة الهادئ تلفه حديقة خضراء ، وفي طفولة شاعرنا الباكرة كان يسمع أباه ، وهو ساهر في الحديقة ، وحوله نفر من أصحابه يتلو عليهم شعرا رقيقا ، فتشرّب الطفل اللماح موسيقى الشعر وأنغامه منذ نعومة أظفاره .
وقد اختلف صالح إلى مدرسة إنجليزية في مصر الجديدة ، وكانت هناك حسناء إنجليزية شقراء من موظفات المدرسة ، هام بها ، ونظم في حبّها عشرات الأبيات من الشعر الغزلي الأفلاطوني يبثّها حبّه وجواه ، وعواطفه المشبوبة ، وعندما علمت المعلمة بعواطفه الملتهبة نحوها أولته اهتماما وشجّعته .
وقد تحدّث شاعرنا عن ثقافته الأولى التي استقاها فقال : « كانت في بيتنا مكتبة كبيرة ، بدأت أقلّب فيها متفرّجا ، ثم متصفّحا ، ثم قارئا ، حتّى لقد قرأت « مقامات الحريري » وأنا في العاشرة ، وبهرتني براعة الصنعة التي في هذا الكتاب ، وفتحت عيني على ما في جوهر اللغة العربية من جمال ، ثم بدأت أقرأ « الشوقيات » حتّى حفظتها جميعا ، وخلبتني موسيقاها حتّى أصبحت - وما زلت حتّى اليوم - أومن بانّ الشعر هو أوّل ما يكون موسيقى ، وأنّ على من ينظم الشعر ، وهو لا يحسن الموسيقى أن يهجر الشعر إلى النثر » [ مقال تجربتي مع القلم ، صالح جودت ، مجلّة الهلال ، مارس 1974 م ] .
ظفر صالح جودت - وهو في العاشرة من عمره - بالشهادة الابتدائية ، ولما انتقل إلى المدرسة الثانوية ليلتحق بالصف الأوّل فيها ، ووقف لأوّل مرّة في الطابور ، تلا ناظر المدرسة الثانوية اسمه ، وشفعه بقوله على سبيل التنويه به « إن هذا التلميذ هو أصغر من نال الشهادة الابتدائية في تاريخ هذه الشهادة » .
ويعترف صالح أنّ هذه الكلمة « قد أدخلت في نفسه الغرور والزهو ، وجعلته يهمل دراسته ، ويمضي في سبيل آخر ، هو سبيل الفن والأدب » .
وفي هذه الأثناء كان « يقضي جلّ وقته في مسارح عماد الدين ، ومسارح روض الفرج في أوج تألّقها ، وكانت كثيرة ، وفي هذا الجو الساحر الملئ بألوان الفن والأدب والجمال تشرّب النغم ، وتعرّف على عشرات النقاد والمؤلفين ، ودفع الثمن فادحا ، فقد تعثّر في السنة الأولى من دراسته الثانوية ثلاث سنوات متّصلة » .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 532
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٣٢