مؤرّخا وقانونيا ومفكرا وأديبا وتربويا وعالما في علم النفس . واكتسب فكره نجاحا في هذه الفترة فيما يتعلّق بموضوع تشكيل مؤسسات الدولة العثمانية وهيئاتها من جديد . وهو شخصية سعت إلى إحداث توليفة بين الثقافة الشرقية الإسلامية التركية التقليدية وبين ثقافة الغرب الحديثة .
أما أهمّ الأعمال التي أنجزها جودت باشا أثناء عمله في المناصب التي عيّن فيها فيكمن في إكمال مشروع المجلّة التي صدرت في ستة عشر مجلّدا ، وإعداد المناهج الدراسية لكافة المراحل .
حاول جودت باشا الجمع بين الثقافة الإسلامية وبين المعطيات الغربية الحديثة .
ورأى أنّ نشأة الدول الغربية مختلفة عن نشأة الدولة العثمانية ، وأنّ المؤسسات العثمانية مبنية على أسس إسلامية ، بخلاف الدول الغربية . . ولذلك فهو يرى أنّ التغريب أمر خاطىء ، لاختلاف منشئه عن المنشأ العثماني ، في النظرة إلى الحياة وفي المنهج .
وبالمقابل فقد قبل بتفوّق الغرب في العلوم البحتة ، وفي مجالات التقنية والإدارة ، ودافع عن اقتباسها وإصلاح المؤسسات كما هي مدافعا عن ضرورة الحفاظ على التقاليد الإسلامية . كما أنه وقف أمام محاولات اقتباس القوانين الفرنسية بعد ترجمتها إلى اللغة التركية ، وهو الأمر الذي أدى به إلى فكرة إعداد مجلّة الأحكام العدلية .
ويرى جودت باشا أنّ الإسلام بالنظر لكونه قد منح الحرية للفرد ، لم يشهد العالم الإسلامي كفاحا لأجل الحرية ، كما وقع ذلك في الغرب . ولكن في مقابل ذلك أصبح تحقيق العدل يتصدّر قائمة أولويات الأمور في العالم الإسلامي . ومن هنا فإن منع وقوع الظلم والفتنة والفساد في الدولة ، لا يأتي إلا بتطبيق عملي لأسس الإسلام ، ومعاملة غير المسلمين أيضا بما يتّفق مع الشرع الشريف . ولهذا السبب لم تشهد الأراضي العثمانية الصراعات الطبقية أو الظلم والاستغلال الذي شهدته أوروبا على نطاق واسع . .
ومفهوم الملة لدى جودت باشا ، مبني على أساس وحدة الشعوب الإسلامية تحت راية الخلافة العثمانية ، المنافي لمفهوم القومية التي سرت في الشعوب الأوروبية بعد الثورة الفرنسية سريان المرض الوبائي في الجسم .
وهو يرى أنّ تأثير الدين في الشعوب الإسلامية أقوى من تأثير القومية ، وأنّ عظمة الدولة العثمانية تكمن في جمعها بين الخلافة والسلطنة ، والعنصر الأساس الذي جعلها دولة هو تمسّكها بالإسلام . ولذلك فيجب أن يتم إصلاح الدولة العثمانية في إطار الشريعة الإسلامية والتكوين الإسلامي للدولة .
والإصلاح مطلب ملح لكل مرافق الدولة ، ولكن دون مساس بالجوهر الإسلامي الذي قامت عليه . ومفهوم الإصلاح لدى جودت باشا يشمل العناصر الآتية : النهوض من الداخل ببذل الجهود في كسب الثقافة والعلوم ، والاستفادة من التقدّم العلمي في الغرب مع الحفاظ على الأصول ، والتطوير لمواكبة حاجيات العصر وليس التغيير ، والاقتباس وليس التقليد ، والعصبية الدينية وليس القومية ، والإصلاح بالعودة إلى الإسلام ، والتكامل في إجراء الإصلاحات . .
ومن هنا فإنّ رؤيته كانت متكاملة للمشكلات
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 527
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٢٧