تأتي باقي العوامل لكي تبلورها وتهذبها وتحدد اتجاهها . لذلك فمعظم الروايات الأجنبية والعربية التي أرجعت ظهور المشكلة على يد معبد الجهني إلى المؤثرات الأجنبية ، مسيحية أو فارسية ، هي روايات مغالى فيها ، إن لم تكن مرفوضة من الأساس ، وفيها غمط للعقلية العربية ، وربما يأتي التأثير الأجنبي في مرحلة لاحقة بعد نقل الكتب اليونانية ، وظهور المعتزلة على الساحة فيما بعد [ عمارة ، المعتزلة ومشكلة الحرية ، ص 25 ] .
وأما الأسباب الحقيقية لقول معبد بالحرية الإنسانية فهي :
- إن اتجاه معبد الجهني إلى تقرير حرية الإنسان ، وقدرته على صنع مستقبله وتحرره من قيود الواقع السياسي لم يأت من فراغ ، ولكنه كان رد فعل قويا للقول بالجبرية الذي انتشر بين الناس وسيطر على أذهانهم . يقول ابن قتيبة ( ت 276 ه ) : كان معبد الجهني وعطاء بن يسار ( ت 103 ه ) يأتيان الحسن البصري ويسألانه ويقولان : يا أبا سعيد ، إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ، ويفعلون ويفعلون ، ويقولون : إنما تجري أعمالنا على قدر الله . فقال : كذب أعداء الله . [ المعارف ، ص 441 ] .
ونحن نستطيع أن نبلور آراء المؤرخين القدامى والمحدثين ، وكذلك المستشرقين ونلخصها في سببين :
- استيلاء الحكام على السلطة واستبدادهم بالحكم .
- اقتداء الجماهير بملوكهم ومتابعة أمرائهم في استغراقهم في الحياة الدنيا .
والحقيقة أن معبدا محقّ فيما ذهب إليه ، واتجاهه كان عن نظر عقلي ، وبحث علمي ووجهته مخاصمة الكسل والتواكل .
نستنتج مما سبق أن معبدا الجهني عبر بوعي اجتماعي عن استياء الفئات المضطهدة في المجتمع الإسلامي ، وعن الإيديولوجية المناهضة لإيديولوجية السلطة الظالمة ، وقد ظهر التعبير عنها بالفعل في حلقة الحسن البصري العلمية الدينية ، ثم أصبح معبد الجهني هو اللسان الشجاع الذي التزم القضية من جانبها السياسي والنظري والديني ووقف جهده لنشر الدعوة لها [ النزعات المادية ، 1 / 593 ] .
آثاره
لم يترك لنا معبد مؤلفات ، ومصدر معرفتنا عنه هو ما كتبه مؤرخو الفرق الإسلامية وعلماء الكلام
المصادر والمراجع
الجاحظ ، البيان والتبيين ، ج 1 ، تح .
عبد السلام هارون ، لجنة التأليف ، القاهرة ، 1950 ؛ ابن قتيبة ، المعارف ، تح . ثروت عكاشة ، دار المعارف بمصر ، 1969 ؛ البغدادي . الفرق بين الفرق ، تح . محيي الدين عبد الحميد ، مط .
صبيح ، القاهرة ، د . ت . ؛ الأسفرائيني .
التبصير في الدين ، تح . زاهد الكوثري ، مط . عزت الحسيني ، القاهرة ، 1940 ؛ الشهرستاني ، الملل والنحل ، تح . فتح الله بدران ، الأنجلو المصرية ، 1956 ؛ ابن عساكر . تبيين كذب المفتري ، تح . زاهد الكوثري ، مطبعة التوفيق ،