وسيطرت على العقل منذ أن وعى وجوده ثم تفلسف ، وتناول المشكلة بالدراسة والتحليل .
وتمتد القضية بجذورها في الفكر اليوناني والفارسي ، ثم تنمو وتتفرع وتسيطر على كل الفلسفات مسيحية وإسلامية .
ولا شك أن إسناد القول بالحرية لمعبد وأنه أول من قال بذلك ، لا يتفق مع طبيعة العقل الإنساني المتحير والمتسائل ، ولا مع تطور الحضارة الإسلامية والواقع الاجتماعي والتاريخي لدولة الرسول والخلفاء الراشدين .
فالمشكلة موجودة في القرآن بآياته الكثيرة ، وأحاديث الرسول التي اشتملت على الأقوال التي يفهم منها حرية الإنسان وتؤكد المسؤولية الفردية .
والتحديد التاريخي في مثل هذه القضايا يتعارض مع تطور الأفكار وظهورها ، ويتعارض أيضا مع وقائع التاريخ لأن الأفكار التي تشيع وتنتشر من الصعب الوصول إلى مبدئها على وجه اليقين من غير حدس ؛ أضف إلى ذلك ، فكل من كانت له صلة بتاريخ ملل الأقوام ونحلها ، ومسألة ظهور الأفكار وتطورها يعرف أن تغييرات الأفكار والعقائد وتطوراتها إنما يجري دائما بالتدريج ، مثل القوانين الطبيعية دورا بعد دور .
فالفكرة لم تكن بنت الحاضر ، وإنما هي وليدة الظرف التاريخي السياسي الذي وجد فيه معبد ، ثم تبلورت مع الظروف الاجتماعية والحقائق السياسية التي عاشتها الأمة الإسلامية فانتقلت كفكرة مسلّم بها في القرآن إلى أرض الواقع بعد التفسير والتأويل .
وعندما واتت الفرصة ، وأصبح الظرف التاريخي مهيئا عبّر معبد وزملاؤه عن الفكرة بصراحة كاملة ، ولغة واضحة ، وتزعّم القول بحرية الإنسان وأنه يملك إرادته ومصيره .
ولكن هل تأثر معبد بالمؤثرات الأجنبية ؟
للجواب عن هذا التساؤل انقسم المؤرخون إلى اتجاهين : الأول يؤيد وجود مؤثرات أجنبية ومن هؤلاء الأسفراييني ( ت 481 ه ) ، وابن كثير ( ت 774 ه ) ، وابن نباته ( ت 768 ه ) وعدد من الباحثين المعاصرين ، وكذلك أغلب المستشرقين ، إلا قلة انحازت إلى وجود تأثير قوي من اللاهوت المسيحي في فكر معبد إذ كانت البصرة ودمشق مهبط الآراء والنحل ومحط الكنيسة [ سرح العيون ، ص 290 ] .
والاتجاه الثاني ينكر أشد الانكار وجود هذه المؤثرات المزعومة ، ويؤكد أن أقوال معبد ترجع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية ، وأن تقريراتهما يؤخذ منهما إضافة الخير والشر إلى الإنسان نفسه وإلى أفعاله ، وليس إلى الله لأن الله لا يفعل الشر . وأن الاستمداد الأصلي لأصحاب المقالات كان من القرآن ، فأصحاب الجبر يستندون إليه ، وكذلك أنصار الحرية .
ويرى بعض الباحثين أن فكرة القدر « صدرت عن المسلمين أنفسهم وأنها فكرة تحدث حول كل دين تقريبا » . وقد شغلت هذه القضية الفلاسفة ورجال الدين جميعا في العصور المختلفة [ ضحى الإسلام ، 1 / 344 ] .
والحقيقة أن مشكلة الحرية يرجع ظهورها إلى الواقع الديني والاجتماعي والسياسي الإسلامي الذي عاشته الدولة العربية الإسلامية ، هذه الظروف التاريخية التي مر بها المجتمع الإسلامي كانت تتفاعل مع بعضها بعضا لكي تدفع إلى السطح هذه المشكلة ، ثم
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 502
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٠٢