الزيات الاعتصام بالقرآن ، وعن أبي علي المسوحي التمسك بعلم الأصول ، وعن أبي حفص النيسابوري معاني الفتوة الصوفيّة .
تجربته وآراؤه الصوفيّة :
كان الجنيد دائم التعبّد كثير الصلاة ، يصوم على الدوام حتى جعل من الصلاة والصوم أصلين من أصول التصوف ، وكان يرى أنّ « العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك » [ الاصفهاني ، حلية الأولياء ، ج 10 ، ص 257 ؛ المناوي ، الكواكب الدريّة ، ج 1 ، ص 259 ] . وكان حريصا على استكناه الأبعاد الروحيّة في عبادته ، فالصلاة في نظره لحظة كشف ومعرفة ويقين يتحقق فيها الاتصال بالمعبود [ الكلاباذي ، التعرّف ، ص 160 ] ، والصوم عنده « نصف الطريقة » [ الهجويري ، كشف المحجوب ، ص 564 ] ، والحج « مجاهدة لكشف المشاهدة » ، والإحرام « تجرّد من الصفات البشريّة » ، والنّحر « تضحية برغبة النفس الآثمة » [ المصدر نفسه ، ص 574 ] .
كما كان يعتقد أنّ الصوفي ملزم باتباع الشريعة وبالمواظبة على العبادة ، وأنّ التصوّف الحق يتمثل في الجمع بين الحقيقة والشريعة . وقد كان الجنيد - فضلا عن تعبّده - زاهدا في متاع الدنيا ولم يكن الزهد عنده مجرّد تخلّ عن الأملاك ، بل تجاوزه إلى معنى أعمق هو تخلّي القلوب عن الطمع [ السّراج الطوسي ، اللمع ، ص 72 ] ، وقد عرف أيضا بميله إلى العزلة والتأمل معتبرا الأنس بالخلق وحشة عن اللّه والوحشة من الخلق أنسا باللّه [ الاصفهاني ، حلية الأولياء ، ج 9 ، ص 343 ] . وممّا دفعه إلى هذه العزلة أيضا طلبه للسلامة ممّا تعرّض له الصوفيّة في زمانه من مضايقات المتهمين والمنكرين . وقد تميّز الجنيد بقدرته على الفراسة حتى اعتبرت إحدى كراماته . ولهذه الميزة صلة بالحديث الوحيد الذي رواه « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه تعالى » [ الهجويري ، كشف المحجوب ، ص 631 ] .
وقد روى عن نفسه أنه كان لا يرى في النوم شيئا إلّا رآه في اليقظة [ الاصفهاني ، حلية الأولياء ، ج 10 ، ص 270 ] . لكنه كان يخشى مع ذلك الوقوع في الادعاء والغرور والفتنة ويعتبر للكرامة منّة وموهبة ربّانية يمتحن اللّه بها عباده الصالحين ، فمن لم يكتمها وتظاهر بها كانت حجابا له دون مشاهدة الحق [ السراج الطوسي ، اللمع ، ص 390 ، 400 ] . فقيمة التجربة الصوفيّة لا تكمن في نظره في تلك المواهب والقدرات وإنّما في التسامي إلى كلّ خلق شريف والعدول عن كلّ خلق دنيء [ السلمي ، طبقات الصوفية ، ص 436 ] ، فكان من أبرز صفاته الخلقية التواضع والرفق بمريديه والشفقة على الخلق [ السّراج الطوسي ، اللمع ، ص 303 ] . أمّا الكمال الصوفي فقد كان عنده متمثّلا في الاعتدال والانتظام ومجانبة كل مظاهر التطرّف في السلوك والاعتقاد ، فلم يبالغ في قمع الجسد ولا في العزلة عن الناس ولم يلبس « الخرقة » أو « المرقعة » لأنّ العبرة في نظره بالحرقة لا بالخرقة . وقد كان لجمعه بين العلوم الشرعية والتجربة الصوفيّة ، وكذلك لحرصه على الاعتدال في الاعتقاد والسلوك ، دور في اعتراف معاصريه له بمكانة بارزة بين صوفية عصره حتى استحق بذلك لقب « سيد الطائفة » [ السلمي ، طبقات الصوفية ، ص 117 - 118 ؛ الهجويري ، كشف المحجوب ، ص 336 ] .