« لو كان الوحي ينزل في هذا الزّمان على أحد لاستحقّ أبو زكريّاء أن ينزل عليه » [ السّير ، ت ، 242 ] .
وتلحّ كتب السّير على سعة فقهه وخاصّة على ورعه . من ذلك أنّه يقول : « ما استسلفت قطّ دينارا غير دينار واحد ، وقد رددته بعينه » [ سيرة ، 285 ] . كما أنّه كان متفائلا يحسن الظّن بأهل زمانه وقد ردّ على تشاؤم عمروس الزّواغي بقوله : « علام تقول ذلك ؟ أليس قد قالوا : من ( يصلّي ) الصّلوات الخمس قد ملأ ما بين السّماوات والأرض عبادة » [ سيرة ، 288 ] . كما أنّه كان يحرص كلّ من له علم أن ينشره في غيره [ سيرة ، 288 ] .
وقد أثبتنا في كتابنا عن العزّابة أنّه عايش نشأة هذا النّظام بجربة ، وليس مستبعدا أن تكون قد التفت حوله حلقة . « وعن عبد الله ( بن مانوح ) قال لمن حوله من العزاب يحثهم على النّوافل » [ نظام ، 172 - 173 ] .
وتذكر المصادر أنّ لأبي محمّد أولادا كان يحذّرهم عن الرّجوع عن الإسلام ، ومنهم ولده داود الّذي خاض غمار فتنة ثمّ تاب ورجع بعد ذلك إلى الخير [ سير ، ت ، 285 - 286 ] .
وتثبت المصادر أنّه تقدّمت سنّه حتّى تخلّى عن الفتوى [ سير ، 376 ] لكنّها لم تحدد تاريخ وفاته ، لكن نرجح أنّها قبل نهاية العقد الثّالث من القرن الخامس للهجرة .
3 - أبو عمرو النّميلي الزّواغي ( 311 - 431 ه / 923 - 1039 م ) ، ولد بجربة سنة احتلال الشّيعة لها ، وقتل بها شهيدا سنة هجوم المعزّ بن باديس عليها مع العلماء الّذين تصدّوا لجيشه [ طبقات ، 2 / 365 ] .
الرّاجح أنّه نشأ في محيط مدرسة الجامع الكبير وبها تعلّم وعلّم مع علمائها ومع الوافدين عليها في هذه الفترة الحرجة من حياة الإباضيّة بشمال إفريقيا وخاصّة بجربة .
يذكر الدّرجيني خبرا يثبت اعتراف علماء مدرسة الجامع الكبير له بطول الباع في العلم « فلمّا وصل ( أبو محمّد عبد الله بن زورستن ) جربة قصد أبا صالح إلى المسجد ، قال :
وحان وقت صلاة الظّهر وحلّقت الجماعة ، وناولني كتابا ، فكنت أقرأ وأفسر حتّى جاء أبو صالح وأمسكت عن التّفسير ، فقالوا له :
فسّر ، فجعلت أقرأ الكتاب ، فقال لي بعض من في المجلس : فسرّ لنا ، وكان في المجلس أبو عمرو النّميلي ولم أعرفه قبل ذلك ، قال :
فطفقت أقرأ ، فقالوا له : فسّر لنا يا شيخ ، فأحال أبو صالح على أبي عمرو النّميلي ، فكنت أقرأ ويفسّر ، فأصابني خجل لما فرط منّي إذ تكلّفت التّفسير بمحضر منه ولم أعرف مكانه » [ طبقات ، 2 / 396 ] .
كما يقول في ترجمته منوّها بغزارة علمه :
« ومنهم أبو عمرو النّميلي رحمه الله ، الرّاسخ القدم . الّذي كان الورع خدينه ، والعلم من كلّ جهة قرينه ، وهو أحد أقطاب الجزيرة ، تحرّى فيها الفرض والسّنة والسّيرة » [ طبقات ، 2 / 364 ؛ الشّماخي ، سير تونس 342 - 343 ] .
وتتّفق المصادر على شغفه بمطالعة المسائل حتّى في آخر عمره وقد تقدّمت سنّه ، ويعلّق الدّرجيني على ذلك بقوله : « فهكذا كانت أحوال السّلف وأخلاقهم . لا يضيّعون
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 400
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٠٠