أبا محمّد ويسلان يأسف على عدم إدراكه هذه الحلقة ممّا يجعلنا نرجح أنّ أقران أبي محمّد قد أخذوا عنه ومنهم زكريّاء ويونس ابنا فصيل ، وبكر ابن أخته ، وغيرهم من أبناء مدرسة الجامع الكبير الّذين تأسّس معهم وبهم نظام العزّابة . كما كان له مجلس علم بقسطيلية وهو الّذي توجّه إليه أبو عبد الله محمّد بن بكر ولم ينهل منه . ونرجّح أنّه كان يتردّد عليه خلق كثير لعلّ من بينهم أبا الرّبيع سليمان بن يخلف .
والرّاجح أنّ أبا عمران كان السّبب في تأليف ديوان غار أمجماج . قال الدّرجيني : « وسبب نسبتهم إلى غار أمجماج أنّهم اجتمعوا به ، وصنّفوا تصنيفا في الفقه مشهورا . في اثني عشر جزءا ، فتولّى نسخه أبو عمران لجودة الخطّ ، فنسب إليه التّصنيف ، وليس له ما عليهم فضل سوى فضل البنان ، وإلّا فهو كأحدهم في فضل البنيان ، شريك في ما أودعوه شركة عنان ، ذكروا أنّ أبا عمران رأى في منامه أنّ يده صارت مصباحا فقصّ رؤياه على معبّر الرّؤيا . فقال له : « هذا رجل يحيي دين الله بيده ، فلم يبعد » . [ طبقات ، 2 / 409 ] .
وبهذا يتبيّن لنا أنّ إقامة أبي عمران كانت بجربة قبل سنة 408 ه / 1017 م حيث درس على أبي صالح ، ثمّ جلس لتدريس الفروع .
وآنذاك تمّ تأليف الدّيوان وائتلاف جماعة غار مجماج على رأس القرن 4 ه / 10 م .
2 - أبو محمّد عبد الله بن مانوح اللّمائيّ الهواري ( حوالي 330 - 430 ه / 942 - 1039 م ) ، ولد في البادية المتاخمة للجهة الغربيّة من جزيرة جربة في نهاية العقد الثّالث من القرن الرّابع للهجرة ( 10 م ) وتتّفق المصادر على أنّ نشأته كانت بعيدة عن العلم والعلماء ، وتقدّمت سنّه وهو يرعى الأغنام في البادية مع الرّعاة ، إلى أن شاء القدر أن يحوّل مجرى حياته فكان الأمر كما يلي : « وذكر أنّ ( أبا محمّد ) ممّن تاب بعد الكبر ، وكان السّبب أن لقيه رجل من لماية يرعى غنما ، فقال : نعم الغنم الّتي ترعاها لحية ، وبئس اللّحية الّتي ترعى الغنم . فوقعت التّوبة في نفسه فأتى المشائخ : أبا مسور ( يسجا بن يوجين اليهراسني ) ، وأبا صالح ( اليهراسني ) ، ورجع إلى أهله ، فلقيه الشّيخ الّذي ذكرها أوّلا . فقال :
جميع الإبل تبرك للحمل ، ولكن التّفاضل في التّبليغ . فرجع ، فمكث ما شاء الله ، ثمّ رجع إلى أهله ، فلقيه ، فقال : جميع الأواني تصلح لأخذ المائعات والتّفاضل في ما يبقى فيه الماء . فرجع فبقي عندهم حتّى تفقّه ، وصار إماما ومشارا إليه » . [ سير تونس ، 374 ؛ السّيرة ، تونس ، 283 ؛ طبقات ، 2 / 400 ] .
إنّه حدث طريف يدلّ على أنّ الشّيخ اللّمائيّ توسّم في عبد الله بن مانوح ملامح النّبوغ رغم تقدّم سنّه ، فأثار فيه حمية طلب العلم وعيّره بأن مثل وقاره لم يخلق لرعي الغنم وإنّما خلق لأمر آخر ألا وهو طلب العلم .
وفعلا لقد صادف عبد الله بن محمّد مدرسة الجامع الكبير في أوج عطائها مع مؤسّسها أبي مسور ، وهو مرسي أسس المذهب الإباضيّ على المسلك الوهبيّ بجربة [ سير تونس ، 308 ] ، ورفيقه أبي صالح [ ن . م ، 335 ] ، وأبي موسى عيسى بن السّمح الرّباني [ ن . م ، 344 ] كما نرجّح أنّه أخذ أيضا عن أبي زكريّاء فصيل ولد أبي مسور إذ يقول فيه :
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 399
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٩٩