تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
لقد بذل الطليان جهدا ومالا وأرواحا في سعيهم لاحتلال إقليمي طرابلس وبرقة ، فما نالوا بعد حرب سبع سنين ، تعاقب فيها الكر والفر ، سوى بضع مدن على الساحل ، لم تستطع أن تمنحهم الأمن والطمأنينة ، ولا الانتصار الساحق الذي ظنوه أول الأمر . ولكي تكتمل المؤامرة فصولا ، سعى الإيطاليون إلى تقسيم آراء المجاهدين عن طريق المفاوضات والحرب في آن واحد ، فاتفق العرب والطليان على قاعدة للصلح هي منح الشعب الطرابلسي دستورا يخوله مباشرة حقوقه المدنية والسياسية ، ويعطيه الحق في القيام بواجباته الكبرى مثل الشعوب المتمدنة ، وتم في الأول من مايو 1919 م وضع القانون الأساسي ، وعين بموجبه أعضاء حكومة القطر الطرابلسي ، وهم ثمانية . لكن المجاهد سليمان الباروني الذي آمن بالاستقلال أو الانضواء تحت دولة إسلامية ، اعتذر عن الدخول في هذه اللعبة رغم الإلحاح عليه ، وحجته في ذلك أنه عثماني ، ويريد الاحتفاظ بعثمانية ، وبوظيفته في مجلس الشيوخ العثماني . وما لبث أن غادر الباروني طرابلس إلى الآستانة في نوفمبر 1919 م ، ولكن صادف قدومه إليها انقلاب الكماليين بقيادة مصطفى كمال أتاتورك عدو الخلافة الإسلامية ، فخابت آماله ، وعاد أدراجه إلى طرابلس مع مطلع العام الثاني بعد أن لبث بها ثلاثة أشهر . عاش سليمان الباروني بعد عودته إلى طرابلس بعيدا عن السياسة وأضوائها ، وهو متيقن في أعماق نفسه أن هذا الأمن تحت الحكم الإيطالي لن يستمر ، لأن إيطاليا تتطلع إلى جعل طرابلس وبرقة مستعمرتين تابعتين لها . وهنا توالت الدسائس مرة أخرى ضد الباروني الذي اتهم بإحداث الفتنة في صفوف المواطنين . فلم تلبث السلطات الإيطالية أن طلبت منه مغادرة البلاد سنة 1922 م ، وتحت المؤامرة والتهديد غادر وطنه دون أن يودع أهله وأولاده . حملته ريح الاغتراب مرة أخرى إلى الآستانة ، ثم إلى أنقرة ، ولم يستقر به المقام هناك بسبب تغيّر الحكام ، فحاول السفر إلى الشام أو مصر أو تونس أو الجزائر ، لكن الاستعمار الإنجليزي والإيطالي والفرنسي أجمع على محاصرة سليمان الباروني ، فلم يجد حيلة سوى التنكر تحت جواز سفر مغاير لاسمه ، فانتقل إلى باريس ، ولكن ما إن تفطنت الحكومة الفرنسية إليه حتى فرضت عليه المراقبة الشديدة ، ومنعته من مغادرة فرنسا . وبعد سنتين قضاهما في فرنسا مراقبا ، أتيح له السفر لأداء فريضة الحج . وبطلب من الباروني لزيارة إخوانه العمانيين ، توسطت له الحكومة العربية لدى السلطات الإنجليزية لتسمح له بزيارة مسقط وعمان . وقد رحب بهذه البادرة كل من السلطان تيمور ، والإمام الخليلي . ووصل عمان أوائل سنة 1926 م ، واستقبل استقبالا رسميا حافلا . فكانت هذه اللفتة جديرة بأن تنسيه متاعب الاغتراب ، وآلام النفي ، ومشاق السفر . وكانت سنتان ظل فيهما الباروني محل رعاية وإجلال حيثما حل من أرض عمان ، وقد خلد أدباؤها وشعراؤها هذه المناسبات بقصائدهم . ولم يغفل الباروني أن يسجل خواطره تجاه