ويمثل الشيخ البكري أحد القمم الأدبيّة المصريّة في بدايات النهضة الحديثة ، يلقبه معجم المطبوعات بأنه « الأستاذ الجليل » ، وهذا اللقب في وصفه حق إذ كان من تلك القمم التي وهبت الفصاحة والبيان في فنّي الأدب : الشعر والنثر . فهو « شاعر ، عالي الطبقة في عصره ، وأديب مترسل ، بل كان من ملوك الكلام » كما يقول أسعد داغر » .
أمّا عن أسلوب الشيخ توفيق البكري فقد « كان وافر الحظ من الجزالة اللفظيّة وآثار العربية الصحيحة . . . حذا حذو أدباء العصر العباسي في تخير البلاغة ، فكان عباسيا في صياغة شعره الذي كان يتحرّى فيه التجدد والبلاغة ، كما كان عباسيا في روح الشعر واختياره .
وهو في نثره أشعر منه في نظمه . يؤخذ عليه غلوّه في محاكاة المقامات والإكثار من التشبيهات وذكر الآثار الدوارس » . ويرجع الأستاذ عباس العقاد صحة الأسلوب عند البكري إلى العامل الديني في حياته .
لقد بلغت هذه الشخصية الدينيّة المعاصرة من المزج بين القديم والجديد إلى الحد الذي قال فيه العقاد : « تقرأ له قصيدة ، فيخيل إليك أنّك ترى شخصين في مثال واحد » ، أو كما يقول العقاد أيضا : « والأحرى أن يقال إنّ القديم كان يتولي من البكري على جانب التعليم والقصد والتكلف والصناعة فيه ، وإنّ الحديث كان يستولي منه على الإحساس والسجيّة وما يصدر عن النفس بلا كلفة ولا إرادة » .
ومن عجيب الأقدار أنّ الشيخ البكري صاحب العقل الوقاد والمشهود له بالذكاء ، والروحانية الصوفيّة العالية قد « دخل عليه في عقله » أي لزمه الوسواس لأسباب تتصل بالخوف على النفس من صولة السلطان ، ولأمور عديدة جعلت ما بينه وبين الخديوي يصيبه الوهن يوما بعد يوم ، ولم تكن زمالة الخديوي عباس حلمي القديمة للبكري في الدراسة ، وتقديره له بالعديد من المراكز المهمّة حين توليته الحكم من عوامل التخفيف لهذا الوهم ، بل لم يكن قرب البكري من السلطان وعطف السلطان عليه أو تقرب اللورد كرومر إليه إلّا من أهمّ أسباب الجفوة بين الزميلين وتفاقم حدة هذا التوهم ، وارتياب البكري فيما ينتويه الخديوي نحوه إلى الدرجة التي تمكّنت من نفسه وعقله . فما إن تغير عليه الخديوي عباس ، حتّى انزوى عن الحياة ، وخيل إليه سنة 1327 ه أن أعوان الخديوي يطاردونه لقتله وراسل النائب العمومي ومحافظ العاصمة ورئيس النظار طالبا منهم ومن غيرهم حمايته من رجال الخديوي ، فأرسل إليه الخديوي يهدئ من روعه ، ولكن دون جدوى إذ قد استحكم الوسواس فيه حتى أنّه كان يشكّ في أقرب الأقربين إليه .
« وعانى الشيخ من ذلك آلاما ، نقل بعدها إلى مستشفى « العصفوريّة » ببيروت سنة 1330 ه ، فلبث في المستشفى 16 عاما كان خلالها هادئا يمضي أوقاته في التفكير والتريض ويقابل زواره وهو كامل العقل إلّا إذا ذكر الخديوي ، فكان يعتقد أنّه ما زال يلاحقه ليغتاله ، فيهيج » .
لقد شاءت الأقدار أن يبرأ البكري من علته تلك ، أو أنّه قد أصبح على الأقلّ قادرا على أن يعيش في داره بعيدا عن المستشفى ، وصادف ذلك أنّ بعض محبيه وتلامذته قد « أقاموا ضجة في مصر يطلبون إعادته إلى بيته
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 736
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٧٣٦