الأندلسي التونسي ، قاضي ومفتي الحاضرة ، قلّ من يوجد من مشايخ تونس من ليس في إجازته سند منه . ومنهم أبو الغيث المعروف بالقشاش التونسي الأستاذ الرحالة العالم الكبير القدر ، الشهير الذكر ، الكثير الكرامات الظاهرة ، وقد صاهره تلميذه المترجم له :
محمد تاج العارفين البكري في ابنته ، ومن بيتها انجرّ غالب أوقاف البكريين مع دنيا عريضة . تصدّى للتدريس بالجامع الأعظم فكان له مجلس عظيم في الحقائق والمعارف والرقائق ، وكان تدريسه لمذهب المالكي ومدونة الإمام سحنون في الفقه والخزرجيّة في العروض وكتاب الجميل في المنطق وكتابي الرشاد والمصابيح في الأصول ، كما له دروس في التفسير وإحياء علوم الدين وقوت القلوب ، حتى أصبحت له أهلية الترجيح والاجتهاد في المذهب [ محمد مخلوف ، شجرة النور الزكية ، 293 ] .
تولّى إمامة جامع الزيتونة بإشارة من شيخه أبي يحيى بن قاسم الرصاع التونسي ابن وزير الأمير حميدة الحفصي ، حيث استشير في مرضه عمّن يخلفه في الإمامة ، وذكروا له ابنه يحيى ، فقال : لا ؛ فذكروا له محمد براو فقال :
يصلح إلا أنّ أهل تونس يأنفون مّن ليس منهم ، ثمّ ذكروا له الشيخ محمد الغمّاد فقال : جوهرة عليها الران ؛ فقالوا : الشيخ محمد تاج العارفين ، فقال : جوهره ما مسّتها يدان . فكان أوّل من تولّى الإمامة بجامع الزيتونة من البكريين وذلك سنة ( 1034 ه / 1623 م ) فقام بها وزان المحراب والمنبر بعلمه وعمله وصلاحه مع فصاحة اللسان وثبات الجنان ، قيل إنه لم يخطب على منبر جامع الزيتونة من إنشاء غيره ولم يكرر خطبة قط [ محمد السنوسي ، مسامرات الظريف ، ص 107 ] .
كما كان زينة للجامع يقرئ فيه صحيح البخاري ودروسا في علوم الدين . قال ابن أبي دينار في « المؤنس » واصفا انفراده بالرواية والدراية في علم الحديث في العصر التركي ، ومجلس درسه في البخاري : « ولم يكن بالديار التونسية من يوم حلّ بها العسكر العثماني من يتعاطى الرواية والدراية إلا شيخ العلم الرباني أبو عبد الله محمد تاج العارفين العثماني ، سقى الله ثراه بالرحمة والرضوان ، وكان مجلسه بالجامع الأعظم من أجلّ المجالس ، يحضره الإجلاء من أهل العلم ، وتدور بينهم المجالس الجميلة ، ولا يخلو مجلسه من فوائد في الثلاثة أشهر : رجب وشعبان ورمضان إلى يوم الختم وهو يوم السادس والعشرين من رمضان وقد واصل ابنه أبو بكر من بعده هذه المجالس والأختام ، واستمرت إمامة جامع الزيتونة وخطابته وراثية في بيت البكريين بين بنيه مائة وثلاث وسبعين ( 173 ) سنة .
كان الحاكم التركي يعتمد عليه في بعض المهمّات السياسيّة ، فلمّا وقعت الحرب بين تونس والجزائر من أجل الخلاف حول الحدود المقررة بينهما منذ سنة 1023 ه / 1614 ه في واقعة « السطارة » ويقال « الشطارة » أيضا وهو اسم مكان قرب مدينة « الكاف » من التراب التونسي ، في 11 رمضان من سنة 1037 ه / 17 ماي 1628 م على عهد يوسف داي والي تونس وحسين باشات والي الجزائر ، تشكل وفد خرج من تونس يتركّب من المترجم له ومعه وليّ الله الشيخ إبراهيم الجديدي الغرياني القيرواني والشيخ عبد النبي خطيب جامع القصر بباب منارة من مدينة
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 731
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٧٣١