ويروى أنّه عاتب السّلطان أسكيا فذكر أنّه حرّم المنام على عينيه ، فقضى عليه دوام السّهر . ثمّ دعا على السّلطان بأن يبعث اللّه الفساد في حياته وأن يجلب عليه ويلات الزّمن [ م . س ] .
في هذه القصّة بين بغيوغو والسّلطان تأكيد لما ذكره الغربّي من أنّه « كان القضاة يتهرّبون من قبول المنصب عند فراغه لخوفهم من اللّه ومن ارتكاب المعاصي عن حسن نيّة » [ الغربيّ ، بداية الحكم المغربيّ في السّودان الغربيّ ، 391 ] . ولعلّ مردّ هذا الموقف السّلبي إلى كون بعض السّلاطين الأسكيّين مارسوا الظّلم والاستبداد في حكمهم ، فصار العلماء يتّقون كلّ منصب يقرّبهم منهم خشية أن يكونوا شركاءهم في ظلمهم ، فيحيدوا عن شرع اللّه ويبتعدوا عن شواغل العامّة وعن واجب الدّعوة إلى الإسلام ونشر ثقافته وعلومه . وما إرغام بغيوغو على تولّي القضاء وما حفّ به من إذلال وإهانة إلّا شكل من أشكال انقياد السّلطان لهواه وقلّة اكتراثه لشروط العدل والإنصاف وحكمه .
إنّ هذه القصة تدلّ على سبب عناية العلماء في السّودان الغربيّ إلى حدود القرن السّادس عشر الميلادي وتوجّههم نحو الدّعوة وممارسة التّدريس [ الغربيّ ، م . س ، 509 - 510 ] حتّى إنّ هذه الوظيفة صارت في اعتقادهم النّشاط الفكريّ النّموذجيّ لكلّ عالم .
هكذا نرى طغيان الجانب القضائيّ على غيره من جوانب حياة محمود بغيوغو الفكريّة ، فلا نجد من المصادر ما ينصّ على ما مارسه هذا العالم قبل تولّيه القضاء من نشاط فكريّ .
لكن إذا كان من الممكن أنّه كان يشتغل بالتّأليف ، لأنّ هذا النّشاط لم يكن المظهر الطّاغي على الحياة الفكريّة في السّودان الغربيّ آنذاك ، فالاحتمال الرّاجح أنّه كان داعيا مدرّسا على غرار أمثاله من الفقهاء في زمانه . يؤكّد هذا أنّه كان أحد الشّيخين الأوّلين لابنيه [ السّعدي ، م . س ، 45 ] .
وبناء على المنزلة الّتي كانت لبغيوغو في الحياة الفكريّة والاجتماعيّة وعلى الشّجاعة الّتي تحلّى بها في إقرار الحقّ وإلزام العدل وعلى غير هذا من الخصال الّتي امتاز بها ، اعتبره السّعدي من علماء مدينة جنّي المشهورين بالعلم الذين يحسن التبرّك بذكرهم [ السّعدي ، م . س ، 19 - 20 ] . كما أنّ ترجمة البرتلّي له في كتابه فتح الشّكور شهادة له بأنّه كان حقا من العلماء الأعيان المشهورين في بلاد السّودان خلال القرن العاشر الهجريّ .
المصادر والمراجع
البرتلي ، أبو عبد اللّه محمد ، فتح الشّكور في معرفة أعيان علماء التّكرور ، تح . محمد إبراهيم الكتّاني ومحمد حجّي ، بيروت 1981 م ، دار الغرب الإسلامي . يتضمّن هذا المصدر معلومات أوّليّة مفيدة عن نسب محمود بغيوغو ومنزلته العلميّة ؛ السّعدي ، عبد الرّحمن ، تاريخ السّودان ، تح . أ .
هوداس ( ،
O . Houdas
) ، وتلميذه بنوة ، باريس 1981 م ، ميزونوف (
Maisonneuve
) . توجد هنا أيضا معطيات مفيدة عن دوره في تكوين ولديه وعن تولّيه القضاء في جنّي ؛ أحمد ،