سنة 1581 م ، وما ترتّب عليها من نكبة العلماء في تمبوكتو وخصوصا منهم الأقيتيّون ، كان محمد بغيوغو ممّن نجا ، فكان أهمّ من ظلّ بتمبوكتو يواصل الدّعوة ونشر التّعليم الإسلاميّ . ويروى أنّه وقف مع الباشا المرّاكشيّ إذّاك موقفا شجاعا تتأكّد فيه خصاله الحميدة ولزومه التّقوى وحرصه على العدل .
فقد أمره الباشا بالشّهادة زورا على الفقهاء المأسورين المعتقلين ، ليتّخذها حجّة لإدانتهم بالمروق والتّعاون مع السّلطان نوح الّذي كان يتزعّم حركة النّضال ضدّ الاحتلال المغربيّ .
لكن على الرّغم من تهديد الباشا إيّاه بقطع يده ، امتنع عن تلك الشّهادة ، حتّى اضطرّ الباشا إلى العفو عنه إكبارا لنبل موقفه .
وهكذا صار محمد بغيوغو يحظى عند الباشا باحترام وشفاعة لكثير من أهالي تمبوكتو [ أحمد ، م . س ، 351 - 352 ] .
ولئن كان بغيوغو متشبّثا بأمور القضاء ساعيا لنشر العدل والخير لكلّ النّاس ، فقد امتنع عن تولّي خطّة القضاء على الرّغم من إلحاح السّلطان أسكيا داود على تعيينه هو أو أخوه لهذا المنصب في مدينة جنّي ، بتأييد من أهالي المدينة . حتّى إنّه لجأ وأخاه إلى مسجد من مساجد المنطقة طيلة أشهر ، يستقبلان رسلا من السّلطان ، إلى أن قرّر العفو عنهما شرط أن يحضرا في بلاطه بمدينة غاو لإفادته بعلمهما وصلاحهما [ كعتو ، تاريخ الفتّاش ، 208 - 210 ] . ولعلّ مردّ هذا التّهرّب من خطّة القضاء إلى تأثّر الشّقيقين بمحنة والدهما مع أسكيا إسحاق ، إذ أجبره هذا السّلطان على ذلك المنصب بجنّي ، فلم يعمّر بعد ذلك إلّا بضعة أسابيع [ م . س ، 165 - 169 ] .
وقد بيّن الغربيّ أنّ الفقهاء السّودان كانوا يتهرّبون من قبول منصب القضاء عند فراغه خشية الزّيغ واجتنابا لارتكاب المعاصي وظلم النّاس ممّا به يكون استحقاق غضب اللّه [ الغربيّ ، بداية الحكم المغربيّ في السّودان الغربيّ ، 391 ] . وممّا يمكن به تفسير موقف الفقيه بغيوغو حرصه على التّفرّغ للتّدريس والدّعوة والحياد في الدّفاع عن حقوق العامّة .
وكان من علامات تواضع بغيوغو أنّه لمّا عرض عليه تلميذه أحمد بابا بعض أبحاثه ومؤلّفاته سرّ بها وقرّظها بخطّه عليها واستفاد من بعضها في دروسه [ السّعدي ، م .
س ، 46 ] .
وتفيد المصادر أنّه كانت لبغيوغو إلى جانب نشاطه في التّدريس عناية بالتّأليف ، فكانت له تعاليق وحواش نبّه فيها على أخطاء السّهو الواردة في شرح أمّهات من كتب الفقه والحديث ، على غرار شرح المختصر والشّرح الكبير للقّاني وغيرهما [ أحمد ، م . س ، 350 ] . ويروى أنّه حرّر إلى جانب ذلك عدّة فتاوى ، وأنّ تلميذه أحمد بابا قد جمع مؤلّفاته كلّها في كتاب مستقلّ [ الغربيّ ، م . س ، 524 - 525 ] . وجاء عند صاحب الإنفاق أنّه « كان محقّقا درّاكا ، ذكيا فطنا غوّاصا على الدّقائق حاضر الجواب سريع الفهم منوّر البصيرة » [ بلّو ، م . س ، 215 ] . كما جاء في مقال دياب أنّ بغيوغو كان حجّة الإسلام في السّودان وأنّ شهرته بلغت مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ [ دياب ، علماء بلاد السّودان الغربيّ ، 150 ] .
وبناء على كون مؤلّفات بغيوغو حواشي وتعاليق وفتاوى ، فينطبق عليه ما رآه الكتّاني
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 669
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٦٩