الرّحلة إلى الحجاز للحجّ ، فكان لأحمد بغيوغو مثل ما كان لأخيه وخاله من حضور مجالس العلم في القطر المصريّ والاتّصال بعدد من أعلام الفكر في هذه البلاد على غرار النّاصر اللّقاني ، والتّاجوريّ ، والشّريف يوسف الأرميونيّ ، والبرهموشيّ الحنفيّ ، ومحمد البكريّ . ولا شكّ أنّه استفاد من ذلك في تكوينه وصقل مواهبه [ م . س ] .
تذكر المصادر أنّه لمّا عاد الثّلاثة من المشرق بعد الحجّ ، توفّي خال الأخوين ، فرجعا إلى أستاذهما ابن سعيد ثانيا ليكملا تكوينهما في الفقه والحديث ، فقرآ عليه الموطّأ والمدوّنة وغيرهما [ السّعدي ، م . س ، 45 ] .
بعد ذلك اتّصل أحمد بغيوغو مع أخيه بالفقيه الأقيتيّ الثّاني ، أي أبي العبّاس أحمد بن أحمد ابن عمر بن محمد أقيت ( ت 991 ه / 1583 م ) والد المؤرّخ الفقيه أحمد بابا التّمبوكتيّ .
فتكوّن عنده مثل أخيه في علم أصول الفقه والمنطق والبلاغة العربيّة . ومن أمّهات المصادر الّتي قرأها مع أخيه على هذا الفقيه أصول السّبكيّ وتلخيص المفتاح [ م . س ] .
بهذا الحدّ من تكوين أحمد بغيوغو تكتفي المصادر التّاريخيّة . فإذا كانت قد ذكرت أنّ أخاه محمد بغيوغو قد نال إجازته على يدي هذا العالم ، فقد انصرفت عمّا يتعلّق به .
وعليه لا نجد فيها شيئا عن العالم الّذي أجازه ، أهو والد المؤرّخ أحمد بابا أم غيره ؟ .
ويحتمل هذا الإهمال أنّ أخاه محمدا كان أرسخ منه قدما في العلم والمعرفة ، أو أنّ الظّروف الاجتماعيّة والسّياسيّة هي الّتي رجّحت كفّة أخيه عليه من حيث الشّهرة وما يترتّب عليها عادة من عناية المؤرّخين والمترجمين .
وبناء على ما ذكرنا من كون الدّارسين قد أولوا عناية خاصة بحياة أخيه مما حجب جزءا من حياته هو ، فإنّنا لا نجد معلومات عن النّشاط الفكريّ الّذي مارسه أحمد بغيوغو بعد نبوغه ، فنحن لا نعلم أكان مثل أخيه متفرّغا للتّدريس والتّأليف أم أنّه اكتفى بالتّدريس دون الثّاني ؟ والظّاهر لنا أنّه لو كان من المصنّفين لما أهملت المصادر التّاريخيّة الإشارة إلى ما خلّده من إنتاج فكريّ . لذلك نرجّح أنّه اقتصر في حياته على ممارسة التّدريس ، فقد كان في مرحلة من تاريخ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة في السّودان الغربيّ تتجه عناية العلماء فيها نحو دعوة النّاس إلى الإسلام وتعليمهم العبادات والمعاملات والقيم الإسلاميّة ، ولم تحدث فيها النّقلة الحقيقيّة إلى التّخصّص في البحث والتّأليف [ الغربيّ ، بداية الحكم المغربيّ في السّودان الغربيّ ، ص 509 - 510 ] .
ولعلّ ما يدعم هذا الرّأي الموقف الّذي اتّخذه أحمد بغيوغو وأخوه عندما قرّر السّلطان أسكيا داود تعيين أحدهما لخطّة القضاء في مدينة جنّي ، إذ يتضمّن امتناعهم عن قبول هذا المنصب ولجوئهما إلى مسجد على مدى أشهر عديدة كونهما مقتنعين بأنّ وظيفة العالم النّموذجيّة هي الدّعوة والتّدريس . يؤكّد هذا ما جاء في تاريخ الفتّاش من أنّه لمّا حمل السّلطان أسكيا إسحاق ( 1539 - 1549 م ) والدهما على تولّي القضاء في غاو يشغ استغرب ابنه أحمد فسأله : « لم قبلت هذا المنصب ؟ فأجاب بأنّه كان مضطرّا مجبرا » [ كعتو ، محمود ، تاريخ الفتّاش ، 165 - 169 ] .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 665
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٦٥