بغيع لمهمّة الفصل بين الناس ، وعد ذلك ضرورة شرعية لا بد منها في مثل تلك الظروف ، فكان يجلس بعد صلاة الفجر مع بعض طلبة العلم بباب مسجد يحيى ويفصل بين المولدين والمسافرين ، ويدعو من له حق على من امتنع به للنظر في دعواه ، ويأمر وينهى ويسجن ويضرب من استحقّ الضرب [ الفتاش ، 126 ] في حين كان الفقيه والمفتي أحمد معيا يفصل بين أهل سنكري [ تاريخ السودان ، 118 ] .
ولم يسلم محمد بغيع من كلام المرجفين وسفهاء الناس فاتهموه بحب الدنيا وطلب المناصب ، وظنوا في دينه وزهده الظنون ، وكثيرا ما كان يجد في محل جلوسه للقضاء بطاقات مكتوبة تحمل هذه المعاني من الكلام فيقرأها ويقول لمن حضره من الطلبة وغيرهم :
« . . . قد تعيّن ذلك علينا ويسألنا الله عن كلّ ما تضيّع في هذا الزمان ولا نبالي لوم أحد » وكان طوال تلك المدّة يراسل أسكيا الحاج وأعوانه مع بعض علماء المدينة لتولية الفقيه عمر بن محمود القضاء ومن دون أن يعلم بذلك أهل تنبكت ، ولما تمّ ذلك وولي عمر بن محمود القضاء وعلم منتقدوه حقيقة الأمر ندموا على ما اقترفوا بحق الشيخ محمد بغيع ، فزاده الله رفعة وجلالة في عيون الناس .
وواجه محمد بغيع أياما ثقيلة وعصيبة بعد احتلال مدينة تنبكت من قبل القوات السعدية ، وسعى مع بقية علماء المدينة إلى نبذ الخلاف والفتنة خاصة بعد واقعة الجامع الكبير التي وقعت بين أهل تنبكت والقائد المصطفى والذي كان من نتائجها القبض على آل أقيت وعددا من علماء المدينة ورجالها وكان محمد بغيع من بينهم ثم أطلق سراحه ، وسجن آل أقيت ، ثم سيقوا بعد ذلك إلى مراكش [ مدخل التنبكتي ، أحمد بابا ] واستدعاه القائد محمود بن زرقون ، وأمره أن يدوّن شهادته مع جملة الشهود الذين شهدوا على صورة كتاب سوغ فيه ابن زرقون أعماله تجاه آل أقيت ، واتهمهم فيه بإثارة الناس ضد جند المغاربة ، وبالتعاون مع آل أسكيا ، والسعي إلى جمع الرجال لقتالهم إلى غير ذلك من التهم الباطلة . ورفض محمد بغيع ذلك رفضا قاطعا ولم تجد أساليب الترهيب التي اتّبعها معه ابن زرقون في شيء ، فاتهمه بالكتابة إلى أسكيا نوح وموالاته وأن خطه دليل إثبات عليه لا ينكر وشهد شاهد من الحضور على ذلك وهدّده بقطع يده ، وقيل بقتله إن لم يشهد كما شهد غيره ، وظلّ الشيخ على موقفه فلما آيس منه خلى سبيله [ الفتاش ، 176 - 177 ] .
توفّي في شوال سنة 1002 ه / حزيران 1594 م .
درس عليه جمع كبير من أهل تنبكت وغيرها من مدن السودان الغربي ، وعرف عنه التواضع مع أهل العلم وطلابه ، محبّبا لهم الطلب والسهر في سبيله ، فكان يبذل لهم نفائس الكتب ولا يمنعها عن أحد منهم ، وربّما يأتي لبابه طالب يطلب منه كتابا فيعطيه له من غير معرفة سابقة ، فكان العجب العجاب في ذلك إيثارا لوجه الله تعالى مع محبّته للكتب وتحصيلها شراء ونسخا [ نيل الابتهاج ، 342 ] .
ويعد أحمد بابا التنبكتي من أجل تلاميذه ، قرأ عليه الكثير من المؤلّفات التي كان يدرسها في مجالسه العلمية ، ولازمه مدّة زادت على
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 660
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٦٠