تصدّر للتدريس والفتيا بمدينة تنبكت بعد وفاة شيخه أحمد بن سعيد ، وجمعت مجالسه العلمية كبار الطلبة والمبتدئين ، الأذكياء منهم وبطيئي الفهم ، وقد عرف عنه الحرص الشديد على إيصال العلم وإفهام الجميع ، فكان لا يملّ من إعادة الدرس والمسائل مرات عديدة حتّى يضجر من حضر مجلسه ، ومع ذلك فهو لا يكلّ ولا يملّ إلى أن يجد من المتعلّم تجاوبا فيما يقرره من المسائل ، قال أحمد بابا [ نيل الابتهاج ، 341 ] « سمعت بعض أصحابنا لما رأى صبره في ذلك يقول : أظن هذا الشيخ شرب ماء زمزم لئلّا يملّ من الإقراء تعجّبا منه » .
وكانت مجالسه تبدأ بعد صلاة الفجر إلى الضحى الكبيرة ، ثم يعود لداره ويصلي الضحى ، وربّما مشى بعد ذلك إلى القاضي في حوائج الناس ، أو لصلح بينهم ، ثم يبدأ بالإقراء في بيته وقت الزوال ثم يصلّي الظهر بالناس ، ويستمر بالتدريس إلى صلاة العصر ، وبعد الصلاة ينتقل إلى مكان آخر يدرس فيه إلى قرب الأصفرار ، ثم يصلّي المغرب في الجامع ويدرّس فيه إلى آذان العشاء ، ثم يعود بعد الصلاة إلى بيته .
وجمعت مجالسه العلمية بين علوم التفسير والفقه والحديث والعربية والعقائد والمنطق ، ومن المؤلّفات التي كان يدرسها ؛ موطأ الإمام مالك ، والمدوّنة ، ومختصر ابن أبي زيد القيرواني ، ومختصر ابن الحاجب الفرعي ، ومختصر الشيخ خليل في الفقه ، وجمع الجوامع للسبكي شرح المحلّي في الأصول ، والصحيحين ، البخاري ومسلم ، وألفية العراقي وشرحها في علم الحديث ، والتسهيل والألفية في النحو ، وتلخيص المفتاح في البيان ، وشرح الخزرجية في العروض بشرح الشريف والدماميني ، ومنظومة ابن عاصم في مسائل الأحكام مع شرح ولده عليها . وجامع المعيار في الفتاوي للونشريسي ، والمدخل لابن الحاج الفاسي ، وعقيدة السنوسي الصغرى والكبرى مع شرح زروق عليها ، وجمل الخونجي ، ومنظومة المغيلي وشرحها في المنطق .
طلبه أسكيا داود لقضاء جني بعد وفاة والده محمود فأبى وامتنع ، وكذلك امتنع أخوه أحمد ، وعزم عليهما أسكيا داود وشدد ، ولم تنفع شفاعة الشافعين لهما ، حتّى اضطرا إلى الاعتصام بالمسجد فمكثا فيه شهورا ورسل أسكيا تتردد اليهما إلى أن أعفى عنهما ، وطلبهما للمثول أمامه فسافرا برفقة الشيخ أحمد بن سعيد ولقوا الأسكيا داود في كاغ فأنزلهم منزلا حسنا وأسبغ عليهم الكثير من الرعاية والكرم ، ومكثوا في ضيافته مدة وهو يزورهم كل ليلة ثم عادوا إلى مدينة تنبكت [ الفتاش ، 114 - 115 ] .
وفي سنة 991 ه / 1583 م توفّي القاضي العاقب بن محمود ، وخلت تنبكت من قاض يفصل بين الناس ، وينظر في مصالح المسلمين بسبب رفض أخيه عمر ولاية المنصب على الرغم من تردّد رسل أسكيا الحاج إليه مرات وإلحاحهم عليه لمباشرة القضاء ، وظلّ هذا الوضع مدّة سنة ونصف والمدينة بدون قاض . « ودفعا لما بدا في الناس في ذلك الزمان المقترة من الخسارة وأكل بعضهم أموال بعض ، وتضييع أموال اليتامى » [ الفتاش ، 126 ] ، تصدّى محمد
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 659
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٥٩