محمود وكادوا أن يسطوا اليه ، فردّهم أسكيا وانتهرهم . ثم لما عاد أسكيا إسحاق إلى كاغ وأدركه في الطريق إليها نعي خطيب مدينة جني أصدر أمرا عاجلا حمله أحد أعيان جيشه ينص على تعيين الفقيه محمود خطيبا وقاضيا لمدينة جني أحب ذلك أم كره . ولما وصل رسول أسكيا مدينة جني طلب من حاكم المدينة والفقهاء الحضور معه للدخول إلى الفقيه محمود ، فأخذوه وجعلوا خلع أسكيا في عنقه وعمموه ثم قرأوا عليه كتاب أسكيا بولاية القضاء وحملوه على فرس أمر له بها أسكيا إلى داره ، وهو يرفض ذلك ويصرخ ويبكي بكاء الصبي كما يقول محمود كعت [ 90 ] . وظلّ القاضي محمود يمارس التدريس وإسماع الطلبة ، محفوظ الحرمة والمكانة ، مقدرا من آل أسكيا إلى أن توفّي بمدينة جني .
عاصر محمود بغيع من سلاطين دولة سنغاي ، أسكيا إسحاق ( ت 956 ه / 1549 م ) وأسكيا داود ( ت 991 ه / 1583 م ) ، ثم أسكيا الحاج ( ت 995 ه / 1586 م ) ثم أسكيا محمد ، وكان في أيامه غلاء وقحط عم بلاد السودان الغربي ، وحكم مدة سنة وأربعة أشهر ، ثم ولي أسكيا إسحاق الحكم سنة 996 ه / 1588 م وكان كريما جوادا بلغ الغاية في التصدق على الفقراء والمحتاجين وكان محبا للعلماء مكرما لهم ، يشاورهم في أمور الدين والدنيا . وشهدت مدينة تنبكت في عصر هؤلاء السلاطين ازدهارا كبيرا في كافة المجالات فنشطت الحركة العلمية ، وتعدّدت مساجد المدينة ، وكثرت فيها دور التعليم ، وظهرت أصناف الحرف والمحترفين لتلبية حاجات البلد من الضروري والكمالي من أصناف المعاش ، وعم البلاد الأمن والاستقرار [ الفتاش ، 180 ] إلى أن كانت سنة 999 ه / 1590 م فدخلت القوات السعدية بقيادة جؤذر ، وتمكّنت بعد معارك من دخول العاصمة كاغ وإسقاط دولة سنغاي ، وكانت تنبكت واحدة من المدن التي سقطت بيد جيوش السعديين [ مدخل التنبكتي ، أحمد بابا ] وقد شهد محمد بغيع الكثير من تلك الأحداث ، وامتحن مع من امتحن من علماء المدينة ووجهائها بذلك الاحتلال .
كان محمد بغيع كما قال تلميذه أحمد بابا [ نيل الابتهاج ، 341 ] عالما متفنّنا في كثير من العلوم ، صالحا عابدا من خيرة عباد الله الصالحين والعلماء العاملين ، مطبوعا على الخير حسن النيّة ، سليم الطوية ، يتساوى لديه الناس في حسن الظن ، ومن عجائب زمانه في حسن الخلق والأخلاق والمروءة ، ساعيا في حوائج الناس لدى القضاة ، وإرشادهم ونصحهم لما فيه خيرهم . مقبلا على ما يعينه متجنّبا الخوض في الفضول ، ارتدى من المسكنة والعفة والنزاهة أزين رداء ، فألقى الله محبّته في قلوب الكافة ، وائتلفت عليه الأفئدة . وكان مع ذلك محققا ذكيا فطنا غواصا باحثا عن الدقائق واللطائف العلمية ، حاضر الجواب ، سريع الإدراك ، منور البصيرة ، آية في قوة الإدراك منوّر الفهم ، موفقا في ذلك ، ووسم بأنه المجدّد على رأس المائة العاشرة ، وفي ذلك يقول أحمد بابا في منظومته :
وعاشر القرون قد أتى * محمد إمامنا وهو الفتى
[ أزهار الرياض ، 3 / 57 ] .