بغيع ، محمد بن محمود بن أبي بكر ( 930 ه / 1523 م - 1002 ه / 1594 م )
محمد بن محمود بن أبي بكر الونكري الصنهاجي المشهور ببغيع ، وبغيع « بباء مفتوحة فغين معجمة ساكنة فياء مضمومة فعين مهملة مضمومة » هكذا ضبطه تلميذه أحمد بابا في [ نيل الابتهاج ، ص 341 ] .
تعلّم بمدينة جني ، ودرس بها على والده محمود ، الفقه وعلوم العربية ، وعلى خاله وغيرهما من علماء المدينة . ثم رحل إلى مدينة تنبكت فدرس على الشيخ أحمد بن محمد بن سعيد سبط الشيخ محمود بن عمر بن أقيت ، ولازمه في مختصر الشيخ خليل حتّى أتقنه عليه . ورحل إلى المشرق بصحبة أخيه أحمد وخالهما ، فلقي محمد بغيع بمصر الناصر اللقاني والتاجوري ، والزين البحيري ، والشريف يوسف الأرميوني ، والبرهمتوشي الحنفي ، والإمام محمد البكري ، ودخل الحجاز فلقي جماعة من شيوخها وأدى فريضة الحج ثم عاد إلى مدينة جني ، وبعد وفاة والده وخاله قرّر هو وأخوه أحمد مغادرة مدينة جني وسكنى مدينة تنبكت ، فعاود محمد بغيع الدراسة على الشيخ أحمد بن سعيد ، فدرس عليه الفقه والحديث والعربية وقرأ عليه الكثير من المؤلّفات مثل موطأ الإمام مالك ومدونة سحنون ، ومختصر ابن أبي زيد القيرواني ، ومختصر خليل ، ودرس على أحمد بن أحمد والد الشيخ أحمد بابا علوم الأصول والبيان والمنطق ، وقرأ عليه وسمع منه أصول السبكي ، وتلخيص المفتاح ، وكتاب الجمل للخونجي في المنطق .
وهو من أسرة معروفة بالعلم والدين والنزاهة في مدينة جني ، فقد كان والده محمود من أعيان علماء المدينة وثقاتها معروفا بصلابة دينه ، قوالا للحق لا يخاف في ذلك سلطانا فمن دونه . ذكر محمود كعت [ الفتاش ، 15 - 16 ] أن أسكيا إسحاق عندما زار مدينة جني جمع رجالها الخاصة منهم والعامة في المسجد الكبير ، وبعد أن طيب أسماءهم بكلمات ، طلب منهم إخباره عن الظالمين والمفسدين ، ومثيري المشاكل في المدينة ، لأنه كما قال : ما دخل مدينتهم إلّا لإصلاح أمورها ، والسعي في خير أهلها ، فلما طال سكوتهم ولم يرد أحد له جوابا قال له الفقيه محمود وكان جالسا بقربه : « إن أعلمناك بذلك الظالم فماذا تفعل به ؟ فقال : أفعل به ما يستحقّ من قتل أو ضرب أو سجن أو إجلاء ، أو رد ما أتلفه من المال وغرمه ، فقال له الفقيه محمود : ما عرفنا هنا أظلم منك ، أنت أبو كل ظالم وسببه ، ولا يغصب غاصب هنا مغصوبا إلا لك وبأمرك وبقوتك ، إن كنت تقتل الظالم فابدأ بنفسك ، وبادر به ، وهذا المال الذي يجلب إليك من هنا ، ألك هنا عبيد يحرثون لك ؟ أو مال يتجر به لك ؟ فلمّا سمع ذلك تحير وتدهش . . وبكى حتّى رحمه الناس » وحاول أعوانه وجنده التعرّض للفقيه