تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 641

مساهمون:

ص٦٤١
المشاهدة ودقّة التحرّي ، أولا ، كما كان يفعل « رشيد الدين الصوري » ( ت 639 ه ) عند تصوير النبات . ويظهر البغدادي تفوّقه في مجال التشريح على جالينوس ، وأثبت بكل جلاء أنه كان أوّل من انتقده نقدا صريحا ، مظهرا خطأه في تشريح الإنسان ، معتمدا على المشاهدة والفحص ، إذ كان المتعاطون للطب وصلوا إلى كتاب جالينوس في التشريح فعسر عليهم فهمه لاقتصاره على القول دون العيان ، فقام البغدادي باصطحابهم لمعاينة المسألة على الواقع الحسّي ، إذ كان في « المقس » تلّ عليه رمم كثيرة « فخرجنا إليه فرأينا تلّا من رمم له مسافة طويلة يكاد يكون ترابه من الموتى به ، نحدّس ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفا فصاعدا ، وهم على طبقات في قرب العهد وبعده . فشاهدنا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية اتصالها وتناسبها وأوضاعها ما أفادنا علما لا نستفيده من الكتب ، إمّا أنها سكتت عنها ، أو لا يفي لفظها بالدلالة عليه ، أو يكون ما شاهدناه مخالفا لما قيل فيها ، والحسّ أقوى في الدلالة من السمع . فإنّ جالينوس ، وإن كان في الدرجة العليا من التحرّي والتحفّظ فيما يباشره ويحكيه ، فإنّ الحسّ أصدق منه . فمن ذلك عظم الفكّ الأسفل ، فإنّ الكل قد أجمعوا على أنه عظمتان بمفصل وثيق عند الحنك . وقولنا الكلّ إنّما نعني به هاهنا جالينوس وحده ، فإنه الذي باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينيه ، وصنّف فيه عدّة كتب معظمها موجود لدينا والباقي لم يخرج إلى لسان العرب . والذي شهدناه من حال هذا العضو أنه عظم واحد ليس فيه مفصل ولا درز أصلا ، واعتبرنا ما شاء الله من المرّات في أشخاص كثيرة تزيد على ألفي جمجمة بأصناف من الاعتبارات ، فلم نجده إلّا عظما واحدا من كل ما شاهدناه منه وحكيناه . وكذلك في أشياء أخرى غير هذه . ولئن مكّنتنا المقادير بالمساعدة وضعنا مقالة في ذلك نحكي فيها ما شاهدناه وما علمناه . ثم اعتبرت هذا العظم أيضا بمدافن بوصير القديمة المقدّم ذكرها فوجدته على ما حكيت ، ليس فيه مفصل ولا درز ، ومن شأن الدروز الحفيّة والمفاصل الوثيقة إذا تقادم عليها الزمان أن تظهر وتتفرّق . وهذا الفكّ الأسفل لا يوجد في جميع أحواله إلّا قطعة واحدة » . نحن إذا ، لسنا أمام رحّالة يجوب البلاد ، ويحكي الأخبار ، ويصف الأماكن ، ويروي قصصا وحكايات ، بل أمام عالم فذّ ، وأمام فيلسوف ، وطبيب ، متكلّم بليغ ، ومنطقي ، وأمام محدّث وحكيم ، وأستاذ في الحساب ، واللغة ، وعلم النفس ، والقياس ، والعلوم الطبيعية ، والإلهيات ، تدلّ على ذلك مؤلفاته المتنوّعة ، ومناظراته العديدة مع علماء عصره .

آثاره

تحتل آثاره حيّزا كبيرا في المصادر الكلاسيكيّة ، وأغلب مؤلّفاته في شكل رسائل وتبلغ 160 رسالة وهي كالآتي : ثلاث وخمسون في الطب والصيدلة ، وأربع في علم الحيوان ، وأربع في علم النباتات ، وعشرون في علم المنطق ، وثماني عشرة في الفلسفة وثلاث عشرة في النحو ، وثماني