الفلسفة المشائية الأرسطية ، ذلك أنه ألّف حول كتابات أرسطو في الفيزياء والميتافيزيقا وعلم النفس ، والطبيعيات ، فاختصر بعضها وشرح بعضها الآخر في الحواشي . وإضافة إلى هذا فقد كتب شروحات وحواشي حول كليات الفارابي في المنطق ورد نظرية ابن سينا بأنّ « المبادئ المشروطة تقود إلى نتائج مشروطة » كما رفض « القياسات الشكليّة الرابعة » .
وقد كتب أهم مؤلفاته متأثرا بكتاب « ما وراء الطبيعة » لأرسطو ، وهذا الكتاب كان له تأثير كبير في العالمين الإسلامي والمسيحي في القرون الوسطى ، وهذا يبيّن أنّ البغدادي بقي فيلسوفا مشائيا مرتبطا بمدرسة ابن سينا والفارابي المتأثّرين بالأفلاطونية الجديدة .
ولم يكن في مجال نقله يردد ما قاله السلف بل مارس التجربة وكان صاحب نظريات علمية جارى بها كبار فلاسفة اليونان ، وعلماء التشريح ، وأساتذة الطب ، ويكفي أن نقرأ رحلته في مصر التي وصلت إلينا بعنوان « الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر » لنقف على مدى رسوخ قدمه في العلم .
فرحلته لم تكن لمجرّد التنزّه ووصف البلاد والمعالم التي يمرّ بها ، بل هو رحّالة عالم ، محلّل ، لا يكتفي برؤية الأشياء وذكرها دون أن يدرس طبيعتها ، ويبيّن ماهيّتها وخاصّيتها ، ويقارن بينها وبين أمثالها في بلاد أخرى ، ويجري عليها بحثا علميا منهجيّا ، يناقش فيه نظريات العلماء والمفكّرين ، ويجري بنفسه التجارب ليؤكّد صواب رأيه وخطأ نظريات الآخرين .
فلقد صادف زمان رحلة البغدادي في مصر في أواخر القرن السادس الهجري حدوث مجاعة رهيبة عظيمة ألمّت بمصر تحدّث عنها المؤرّخون بإسهاب ، فلم يشأ أن يكون مقلّدا لهم في وصفهم لهذا الحدث الخطير والمروّع ، بل وجد فرصة لإعمال فكره ومنهجه العلمي التجريبي حين كانت الجثث تملأ النيل والطرقات ، فراح يدرس العظام البشريّة عظمة عظمة ، ويقارن تركيب الجسم البشري بما ورد في كتب الأطبّاء اليونان والعرب ، ليخلّص بنتائج مؤداها أنّ بعض هؤلاء الأطباء قد أخطأوا ، فالمعاينة والمشاهدة والدراسة الواقعيّة أقوى من كلّ النقولات مهما كان مصدرها . إذ عندما عاين مياه النيل وساءه ما فيه من عفن بسبب عدم جريان الماء لانخفاض مياه النيل ، قرّر أنّ تسخين هذا الماء أو غليه لا يخلّصه ممّا فيه من شوائب لغلبة العفن على الماء . وفي هذه الحالة فهو يفضّل مياه الآبار .
وعند وصفه لنباتات مصر أظهر قدرة كبيرة على التأمّل ، وكتب فصلا جيّدا عن الحياة الحيوانية ضمّنه معلومات عرضيّة يمكن أن يتصيّدها القارئ من بين فيض من الكتابات في مجالات أخرى ، أو يتصيّدها من بين استطرادات لا حصر لها ، وقد رتّبها وجعل لها فصولا بعينها ، ممّا يؤكّد منحاه العلمي ، وهو يقدّم فكرة جيّدة وواضحة عن الأسلوب العلمي الذي اتّبعه العرب لإيجاد أدلّة يؤيّدون بها ما يقرأونه في الكتب ، وهي طريقة تدلّ على استقلالهم في الرأي ، ووسائلهم العلمية الصحيحة ، وعدم خضعهم لحجج « جالينوس » أو غيره ، فأفصح هو بجلاء عن أهمّية
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 640
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٤٠