والقدس . كما سمع من علماء مكة أو القادمين إليها عندما أدى فريضة الحج إذ سمع من أبي عبد الله محمد بن سلام القضاعي وقرأ البخاري على كريمة بنت حمد المرزوية في خمسة أيام . وكانت الغاية من الرحلة كما ذكر هو تحصيل علو الإسناد ولقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم [ الجامع لأخلاق الراوي ، ص 168 - 169 ] .
ونرى الخطيب لا يهتم بالرحلة البعيدة فقط بل إن شغفه جعله يبحث عن الشيوخ الساكنين في مواقع قريبة من بغداد كجرجرايا ، وعكبرا ، وبعقوبا ، والأنبار ، والنهروان . وذكر أسماء الشيوخ الذين أخذ عنهم في كل بلد كما زار البصرة والكوفة سنة 412 ه ، وزار نيسابور سنة 415 ه ، ومرّ أثناء ذهابه إليها بحلوان وأسد أباد ، وهمدان ، وساوه ، والري . ويبدو أنه أقام بنيسابور حتّى سنة 419 ه ومقصده الرئيس فيها كان أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم . وكان معظم الذين أخذ عنهم في نيسابور هم من تلاميذ الأصم . وكانت هذه الرحلة هي الأولى للخطيب إلى المشرق ، إذ إنه عاد للمشرق ثانية بعد فترة وجيزة من الرحلة الأولى . وتفسير القيام بهذه الرحلة الثانية ربّما يعود إلى أنه أراد هذه المرّة بنية مسبّقة زيارة أصفهان والأخذ عن شيخ محدّثيها في ذلك الوقت ، أبي نعيم الأصفهاني ( ت 430 ه / 1038 م ) ، وكان يحمل معه رسالة توصية من شيخه البرقاني إلى أبي نعيم ، الذي استفاد منه كثيرا لأنه روى عنه في تاريخ بغداد ، 589 رواية بأسانيد مختلفة . رغم هذه الفائدة الكبيرة فإنه أخذ عن شيوخ كثيرين فيها ذكرهم في تاريخه . كما زار الخطيب الدينور لكنه لم يصرّح متى تمّت الزيارة لكنه روى عن اثنين من شيوخها في التاريخ .
بعد هاتين الرحلتين يعود الخطيب إلى بغداد ويقيم فيها حتّى سنة 440 ه / 1048 م ولا يعرف الكثير عن حياة الخطيب في هذه الفترة وربّما اعتكف في هذه الفترة على الاستفادة من المادّة التي جمعها في رحلاته ودراساته في تأليف كتابه « تاريخ بغداد » مما اضطرّه للتفرّغ للعمل في الكتاب ، ويستدلّ على ذلك أنه تمنّى على الله في سنة 444 ه / 1052 م أثناء أدائه الحج أن يحدث به في جامع المنصور ببغداد . وهذا يعني أن الكتاب قد تم إنجازه في ذلك الوقت .
وقد زار الخطيب دمشق مرارا في 440 - 444 - 446 ه لكن زيارته الرابعة هي الطويلة بينها ، وكانت كما يبدو على أثر اضطراره للخروج من بغداد على أثر حركة الباسيري سنة 451 ه ، فقد كان الخطيب على صلة وثيقة بالوزير ابن المسلمة ، فعندما قتل الوزير أثناء الاضطراب السياسي الذي مرّت به بغداد إثر هذه الحركة فقد الخطيب سنده فيها فنرجح أنه غادرها هاربا ، فوصل دمشق حاملا معه بعض ما تضمّه مكتبته ، فخرج في بداية العام ووصل دمشق في أواخره ( في يوم الأضحى من سنة 451 ه ) . وأقام الخطيب في دمشق حتّى سنة 459 ه وكان يعقد مجلسه للتدريس في الجامع الأموي . وقد لقي فيها بعض العنت من أتباع الدولة الفاطمية لأنه كان يحدث فيها بكتاب « فضائل الصحابة الأربعة » لأحمد بن حنبل و « فضائل العباس » لأبي الحسن بن زرقويه .
وكاد أن يقتل في إحدى المرات ، لولا إجارة بعض العلويين له ، فتمكّن من الهرب إلى صور أوائل عام 459 ه ، وكان قد زارها من
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 619
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦١٩