قبل فأقام فيها هذه المرّة مدّة ثلاث سنوات أي حتّى سنة 462 ه . وأثناء إقامته كان يتردّد على بيت المقدس التي كان قد زارها قبلا في سنة 446 ه . وبعد غياب طال مدة أحد عشر عاما عاد الخطيب من صور إلى بغداد أواخر سنة 462 ه . وأثناء عودته إلى بغداد أقام بدرب السلسلة بجوار المدرسة النظامية . وفي هذه الفترة حقّق منيته التي كان قد تمناها أثناء الحج في سنة 445 ه . إذ حدث بجامع المنصور بكتابه تاريخ بغداد . لكن ذلك لم يستمر طويلا إذ مرض في رمضان من سنة 463 ه فأوصى بتوزيع ثروته ووقف كتبه على المسلمين وسلمها إلى أبي الفضل بن خيرون ليتولّاها ، وقد دفن في مقبرة باب حرب بجانب بشر الحافي ( ت 227 ه / 841 م ) .
شملت مصنّفاته الميادين التي أولاها اهتمامه وهي : الحديث وعلومه ، والتاريخ وعلم الرجال ، والفقه وأصوله ، والرقائق والأدب ، وبلغ مجموع مصنّفاته ستة وثمانين مصنّفا ، منها سبعة وثلاثون مصنّفا في الحديث وعلومه ، سوى علم الرجال ، وخمسة وعشرون مصنّفا في التاريخ - بضمنه علم الرجال - وأربعة عشر مصنّفا في الفقه وأصوله ، وثلاث مصنّفات في الأدب ، ومصنّفان أحدهما مجهول الموضوع ، والآخر قد لا تصحّ نسبته إليه وهو في الرقائق . وقد ألّف منها ستة وخمسين مصنّفا قبل سنة 453 ه . والباقي بعد ذلك .
والمرجّح أنه لم ينجز « تاريخ بغداد » إلّا بعد سنة 446 ه . ففي هذه السنة رجع من الحجّ ومرّ بطرابلس الشام ، فلقي فيها بلديّه « عبد الله بن محمد بن علي البغدادي » الذي حدّثه عن بعض متقدّمي العلم عن أنهار بغداد ، فأثبت « الخطيب » فصلا عنها في مقدّمة تاريخه . وتناول فيه خطط بغداد ، ثم تراجم الخلفاء والأمراء والوزراء والقادة والقضاة وغيرهم من أعيانها إلى جانب المحدّثين الذين أولاهم اهتماما خاصّا . ورتّبه على أساس الحروف ، لكنّه لم يلتزم الترتيب الأبجدي دائما ، ويبدو أنه راعى نظام الطبقات ضمن الحرف الواحد وإن لم يصرّح بذلك ، كما لم يلتزم به دائما ، إلّا أننا نجده يبدأ بتراجم المتقدّمين ويؤخّر المتأخّرين وفاة . ورغم أنّ الترتيب على الحروف يمنع تكرّر التراجم ، فإنّ ثمّة تراجم كرّرها في الأسماء ثم في الألقاب والكنى ، ولكنّه كان يختصر الترجمة في المرّة الثانية ويشير إلى تقدّمها قبل ذلك . وكان يفعل ذلك عندما يقع الاختلاف عند المؤلّفين السابقين له وينقل عنهم ، فيضطرّ أن يذكر اسم صاحب الترجمة في أكثر من موضع حسب اختلاف المصادر .
ويعتبر « تاريخ بغداد » أكبر موسوعة في تراجم رجالها ، وخاصة أهل الحديث ، إذ بلغ مجموعهم خمسة آلاف محدّث من مجموع المترجم لهم في الكتاب وعددهم 7831 شخصا . وذكر من طريقهم آلاف الأحاديث بالأسانيد ، والكثير منها في كتب الصحاح الستّة ، بل إنّ معظمها من معاجم شيوخ ومنتخبات وأجزاء حديثية يختلط فيها الصحيح والضعيف . وقد تعقّب الخطيب بعضها وانتقدها ، غير أنه لم يفعل ذلك دائما . ولكن لا بدّ من الالتفات إلى الأهمّية الفائقة للنصوص التي حفظها ونقلها عن الكتب المفقودة ، خاصّة عندما ينفرد بها أو يكاد ، أو عندما يقدّم عنها أوسع المقتطفات . فعلى سبيل المثال يكاد ينفرد بما اقتبسه من
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 620
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٦٢٠