والفرائض والحساب والأصول مدّة خمس عشرة سنة نال بعدها إجازة عامّة .
كان شغوفا بالحديث والقراءات والتّفسير والتّصوّف والفقه والشّعر والعروض ، والبيان والنّحو والصّرف ، حتّى أربى مشايخه على الخمسين . قرأ على عبد الغني النابلسي ( 1050 - 1143 ه ) التّفسير والتّصوّف ، وكتاب نصوص الحكم . ثمّ انصرف إلى التّصوّف فلازم محمد بن عيسى الكناني الخلوتي ( ت 1153 ه / 1740 م ) مدّة خمس عشرة سنة ، وأخذ منه الطّريقة ، وتلقّن الذّكر .
زار القسطنطينيّة ورجع إلى حلب سنة 1144 ه ، وسمع من علمائها أمثال محمد بن عقيلة ، وصالح البصري ، ومحمد الحلبي المعروف بالزمّار ، وحضر دروسه في صحيح البخاري ، وظلّ مقيما فيها حتّى وفاته سنة 1192 ه / 1778 م .
اشتغل بالفقه والفرائض على مشايخ الحنابلة ، وترك ثلاثة كتب فقهيّة ، اشهرها كتاب « كشف المخدرات والرّياض المزهرات ، شرح أخصر المختصرات » ، طبع في القاهرة ، المطبعة السلفيّة . هو كتاب في الفقه الحنبلي ، والأصل « أخصر المختصرات » ألّفه شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن بدر الدين بن بلبان البعلي ( 1006 / 1083 م ) اختصره من كتاب وضعه بنفسه اسمه « كافي المبتدي » .
وضع الشّارح مقدّمة تحدّث فيها عن تاريخ الفقه الحنبلي . وفي رأيه أنّ أحمد بن حنبل ، لم يؤلّف في الفقه كتابا ، وإنّما أخذ أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته ، وقوله : « لا ينبغي ، أو لا يصحّ ، أو لا أستقبحه ، أو هو قبيح ، أو أقرّه ، أو لا أراه للتّحرّم ، أو لا يعجبني ، أو لا أستحسنه » . . .
ونستخلص مضمون « كشف المخدّرات » من بيتي شعر أثبتهما في المقدّمة ، وقد جمعا فصول الكتاب ، قال عبد الرحمن البعلي :
عدّة كتب ذا الكتاب عشره * مع ثمان كلّها مشتهره
أبوابه سبع ، فصوله مائة * وستة ، وهي به منتشره
حرص المؤلّف على شرح كلّ لفظة ، وعبارة وردت في الأصل « أخصر المختصرات » . بدأ بشرح « بسم اللّه الرحمن الرّحيم » ، قال :
« الباء : للمصاحبة والاستعانة ، متعلّقة بمحذوف وتقديره « فعلا » أولى ، و « اللّه » علم على الذّات الواجب الوجود » .
« الرحمن الرّحيم » مشتقّان من الرّحمة ، والرّحمان أبلغ من الرّحيم ، لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى غالبا ، معنى الرحمن :
المفيض لجلائل النّعم ، و « الرّحيم » : المفيض لدقائقها . . .
سلك طريقة الشّرح المزجي ، يذكر الأصل ضمن قوسين ، ثمّ يتّبعه بشرح المعنى ، بأسلوب مبسّط يعتمد البرهان والجدل . ولا يهمل الإعراب إن كان يخدم المعنى ويوضّحه . وأنهى بشرح كتاب الإقرار ، وهو لغة الاعتراف . كقوله تعالى :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
[ التّوبة : 102 ] ، وقوله تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] ، وشرعا معناه الإظهار ، أي إظهار مكلّف ، مختار ما عليه .
هو في الفقه لم يجتهد ، بل اكتفى بالشّرح والنّقل لأنّه يعتمد الطّريقة السلفيّة . إنّما كان ناجحا في الاختيارات والشّروحات .