تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
لتلك الأسباب ، وهو رأي ناقض فيه ابن رضوان الذي تعلم عن طريق قراءة الكتب . كان ابن رضوان أسود اللون قبيح الصورة . وله مقالة ردّ فيها على من عيّره بذلك ، وفيها يقول بأن الطبيب الفاضل لا يشترط فيه أن يكون جميل الوجه . ألف ابن بطلان رسالة دعاها « وقعة الأطباء » ذكر فيها كثيرا من الأحداث والنوادر التي صادفها في مصر . ومنها المجادلات والمحادثات التي جرت بينه وبين ابن رضوان ، وكان يطلق عليه اسم تمساح الجن . وقد هجاه بهذين البيتين [ من الطويل ] :
ولمّا تبدّى للقوابل وجهه * نكصن على أعقابهن من الندم وقلن وأخفين الكلام تستّرا * ألا ليتنا كنّا تركناه في الرّحم
لقد قارن ابن أبي أصيبعة بين ابن بطلان وخصمه ابن رضوان فقال : « كان ابن بطلان أعذب ألفاظا وأكثر ظرفا وأميز في الأدب وما يتعلّق به . وكان ابن رضوان أطبّ وأعلم بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها » . ومن المستحسن أن يضاف إلى هذا القول : إن ابن بطلان كان يهتم بكل ما يسمع من حروب وغلاء ، أو خراب وبلاء ، في الأماكن التي يحلّ بها أو يجاورها ومنها : - تكلم عن الوباء الذي عرض في القسطنطينية عند طلوع الكوكب الآثاري في الجوزاء سنة 446 ه ، فقضى على كثير من أهلها ، بحيث امتلأت المدافن بالموتى ، وبلغ عدد ما دفن في كنيسة لوقا أربعة عشر ألف نسمة . - تكلم عن الأوبئة التي انتشرت في الفسطاط وبلاد الشام ، منذ سنة 447 ه ، فمات كثير من سكانها وجميع الغرباء فيها . ثم انتقل هذا الوباء بعد ذلك إلى العراق ، واستمر أذاه حتى سنة 454 ه ، فقضى على أكثر أهله . - لقد وصف ابن بطلان الأمراض التي عرضت للناس في كثير من الأقطار العربية ، ومنها الإصابة بالقروح السوداوية وأورام الطحال ، وتغيّر ترتيب نوبات الحميات . وعزا تلك الأوبئة إلى بعض الأحداث الطبيعية أو الفلكية . ومنها نقصان مياه النيل ، أو ظهور المذنبات ، أو نزول زحل في برج السرطان ، ثم يقول أخيرا : « إن حكم بطليموس قد صحّ في قوله : إن زحل والمريخ متى اقترنا في السرطان زلزل العالم » . - أحصى ابن بطلان عدد الأطباء والعلماء والفقهاء والقضاة الذين توفوا خلال تلك الأوبئة في البلاد العربية ، فبلغ عددهم ( 18 ) ، وكان أولهم الحسن البصري وآخرهم أبو العلاء المعري . وكان ابن بطلان قد صنّف كتاب « دعوة الأطباء » للأمير نصر الدولة بن نصر أحمد بن مروان ، وجعله على مذهب كليلة ودمنة . وهو يمتاز بمزج الهزل بالجد ، وفيه باطل ينطق عن حق ، وخير القول ما أغنى جده عن هزله . وفيه قصص الحكماء وكلام البلغاء ونوادر لفلاسفة أجلاء ، ويظهر ابن بطلان فيه فضل الأطباء المتعلمين على الممخرقين والدجالين في صنعة الطب . ولهذا الكتاب نسخة مخطوطة نفيسة ومذهبة ، محفوظة في مكتبة الأمبروزيانه في ميلانو بإيطاليا ، كتبها محمد بن قيصر الإسكندري سنة 672 ه .