صومعة أحد الأديرة ، واكتسى بمسوح الرهبان . ونظرا إلى براعته في علوم الأدوية والمداواة فقد كلّفه رئيس الدير بالإشراف على بيمارستان أنطاكية ، فسعى لتوسعته وتحسين طرق معالجة المرضى فيه ، وبقي يقوم بهذا العمل حتى وفاته .
وجاء في كتاب « إخبار العلماء بأخبار الحكماء » لجمال الدين القفطي أن ابن بطلان توفي في أنطاكية سنة 444 ه ، بينما يقول ابن أبي أصيبعة في كتابه « عيون الأنباء في طبقات الأطباء » أن ابن بطلان ألف كتابه « دعوة الأطباء » ، وكتب في آخره : « أنا مصنّفها بوانيس الطبيب ، المعروف بالمختار بن الحسن بن عبدون ، بدير الملك المنيح قسطنطين بظاهر القسطنطينية ، في آخر أيلول سنة خمس وستين وثلاثمائة وألف ، ويكون ذلك بالتاريخ الإسلامي في سنة خمسين وأربعمائة » . وهذا يدل على ابن بطلان توفي بعد ذلك التاريخ ، وقد بقي عزبا ، فلم يتخذ زوجة ولا خلّف ولدا .
لقد جرت بين الطبيبين علي بن رضوان وابن بطلان ، عند اجتماعهما بمصر ، عدة مراسلات ، طرح فيها ابن رضوان على ابن بطلان عددا من المسائل ، منها السهل ومنها الصعب ، لكي يطّلع على ما لديه من ذخيرة علمية . ويقول ابن بطلان إنه أجاب في الحال عن بعضها ، وتراخى عن إنفاذ الإجابة عن بعضها الآخر ، إبقاء لصلة المودّة .
كان ابن رضوان يتعالى على غيره من الأطباء ، كما كان ينتقد أقوال ومؤلفات من عاصره أو سبقه منهم . ويذكر ابن أبي أصيبعة أن ابن رضوان كان في حديثه وبحثه سفاهة وتشنيع على من يناقشه أو يتكلم عنه . ولم يكن لابن رضوان في صناعة الطب معلّم ينسب إليه . وقد قام بتأليف كتاب خلاصته أن تحصيل صناعة الطب عن طريق قراءة الكتب أوفق وأجدى من الحصول عليه عن طريق المعلمين .
كان والد ابن رضوان فرّانا يعمل في منطقة الجيزة بمصر ، وكان ابنه علي منذ صغره يرغب في التعلم . وعندما بلغ العاشرة انتقل إلى القاهرة ، وتابع تحصيله فيها عن طريق قراءة الكتب . واستطاع في أوائل شبابه أن يتمّ قراءة ما وصل إلى يده من كتب الفلسفة والمنطق ، وعلم الفلك والتنجيم والطب .
ونظرا إلى سوء حاله وضيق ذات يده اضطر للتكسب في الطرقات ، تارة بالتنجيم وتارة بالطب . وحينما بلغ الثانية والثلاثين كثرت زبائنه وازداد دخله ، فاشترى الأملاك وأصبح من كبار الأطباء . ولما بلغت شهرته مسامع الحاكم بأمر الله نصّبه رئيسا لأطباء مصر .
لقد بدأت المناقشة والمنافسة بين ابن بطلان وابن رضوان حينما ألف الأول مقالة في الاعتراض على من قال إن الفرخ أحرّ من الفروج بطريقة منطقية ، في أول وصوله إلى مصر . وهذا القول ينسب إلى الطبيب أبي الفرج جورجس بن يوحنا اليبرودي ، والذي كانت بينه وبين ابن رضوان مراسلات ومناقشات طبية . ثم اشتد الخصام بين ابن بطلان وابن رضوان حينما ألف ابن بطلان كتابا ذكر فيه بصورة مفصّلة سبعة أسباب لأجلها صار المتعلم على أفواه الرجال أفضل من المتعلم من الصّحف ، إذا كان القول واحدا . وفي كتاب ابن أصيبعة بيان مسهب
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 571
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٥٧١